الثلاثاء , مايو 19 2026
?>
الرئيسية / ملفات وقضايا / الحلقة 22 : الفخ الرئاسي للرفاق

الحلقة 22 : الفخ الرئاسي للرفاق

حفريات جديدة في ذاكرة مجزرة قاعة الخلد تموز 1979

حامد الجبوري: عبد الخالق السامرائي رجل صالح بكل معنى الكلمة

عبد الخالق السامرائي لم يكن طامعاً بالسلطة.. وقد نأى بنفسه عن كل امتيازاتها وإغراءاتها

 شامل عبد القادر

بكثيرٍ من الثقة أقول أن عبد الخالق السامرائي هو الذي أسس لذلك التعاون بحسن نية وليس كأسلوب تكتيكي هدفه العبور من مرحلة إلى أخرى. ويكفي لتأكيد ذلك القول أن السامرائي لم يكن طامعاً بالسلطة، وقد نأى بنفسه تماماً عن كل امتيازاتها وإغراءاتها، وظلّ إلى يوم القبض عليه لا يتغذى سوى بـ(سندويتشه) كان يضعها في حقيبة أوراقه، وهو الذي لم تكن له سوى بدلة واحدة، وظلّ إلى يوم اعتقاله يصعد إلى جانب سائقه “عباس” في سيارة الفيات الصغيرة بدون مرافقين أو حرس. ولو أن بهرجة السلطة كانت قد أخذته وتسلطت عليه مفاهيم القوة واضطهاد الخصوم أو الاستعداد للغدر بالآخرين لكان قد أعد لذلك، ولبان على سلوكه ومظهره ما يؤكد على استعداد ولو بسيط للاستمتاع بملذات الحكم ومباهجه (جعفر المظفر، المصدر نفسه). وأتذكر أن أقصى ما كان يتطلع اليه “الملا” بعد ساعات عمل مضنية قد تمتد إلى منتصف الليل هو أن يتمشى بعدها في شارع السعدون حذراً من أن يتعرف عليه الناس.. لا لخوف وانما لكي لا يفسدوا عليه متعة السير في الشارع كرجل عادي وبسيط كل همه أن يشم هواء بغداد وأن يستمتع بمناظرها. وقد دعاني غير مرة لأن أذهب معه إلى ذلك الشارع بسيارتي المتواضعة على أن أتكفل بإيصاله بعد ذلك إلى داره. وفي إحداها كنت على وشك إيقاف السيارة بالقرب من الرصيف المحاذي لسينما الاندلس وهو مكان اعتدت على الوقوف فيه واثقا أنني لا أخالف بذلك تعليمات المرور. غير أن “الملا” الذي كان يجلس إلى جواري سرعان ما طلب مني البحث عن موقف آخر ظنا منه أن شرطي المرور الذي كان يسير على الرصيف قد توجه نحونا، وكان بعض ما أضحكني في رده أنه قال: (لا تورطنا مع شرطة المرور). وما كان في رده ذلك مازحاً لكن الحديث عن ذلك الموقف لا بد وأنه سيحسب حقاً كمزحة كبيرة.. ليس بذاته بما يشيعه بالمقارنة. وإذا ما عرف الانسان أن الرجل الذي خاف من شرطي المرور.. من باب التقدير واحترام القانون، كان ثالث أقوى شخص. هكذا كان رفقائه يطلقون على عبد الخالق السامرائي بالملا في السلطة، إذا ما تم ترتيب المواقع بالشكل الذي يضع البكر أولا ويليه بعد ذلك صدام حسين فسوف يظل ذلك الانسان ضاحكاً إلى فترة مفتوحة على ما آل اليه أمره وأمر العراق بعد ذلك، سواء على يد قبائل صدام أو قبائل أو غيرها”. ويتحدث الدكتور فخري قدوري وزير الاقتصاد العراقي عقب تموز 1968 عن عبد الخالق السامرائي فيقول “عام 1972 تشكلّ وفد كبير برئاسة عبد الخالق السامرائي – عضو مجلس قيادة الثورة،عضو القيادتين القومية والقطرية- لزيارة الصين الشعبية وكان من بين أعضاء الوفد مرتضى سعيد عبد الباقي وزير الخارجية ومدلول ناجي المحنة وعفيف الراوي وشبيب المالكي وغيرهم من ذوي المناصب المتقدمة في الحزب والدولة إلى جانب ما يرافق هذه الوفود – ذات المستوى العالي- من طاقم طبي وطاقم إعلامي” ( د.فخري قدوري – هكذا عرفت البكر وصدام، رحلة 35 عاما في حزب البعث) ص 224. استقبل الوفد العراقي في بكين بحفاوة بالغة، وسارت المفاوضات في أجواء إيجابية وجرى تحديد الخطوط العريضة للمشاريع الانمائية التي تعهد الجانب الصيني بتنفيذها من خلال قرض ضخم. وكنت لاحظت أثناء مناقشة المشاريع أن الخبراء الصينيين يبدون ملاحظات موضوعية قائمة على معلومات دقيقة ويقدمون اقتراحات هدفها مصلحة العراق ويطيلون النقاش حولها دون ملل. (د. فخري قدوري، المصدر نفسه، ص 225). استقبلنا رئيس الوزراء آنذاك (شو إن لاي) ببزته البسيطة رمادية اللون التي اعتاد ارتدائها وقد ارتسم على محياه التواضع المقترن بعمق التفكير، وجلس في صدر القاعة على كرسي متواضع والى يمينه ضيفه عبد الخالق السامرائي فيما أخذ الاخرون أماكنهم على كراسي منفردة موزعة على شكل حلقات كما هو متبع هناك في مثل هذه اللقاءات. كان “شو إن لاي” يتحدث بتأن وهدوء واضعاً يده اليسرى على يده اليمنى المعاقة، معبراً عن ترحيبه بالوفد وسروره لتطور العلاقات بين البلدين. (د. فخري قدوري، المصدر نفسه، ص 226). وبعد اكتمال برنامج الزيارات الطويل والتوقيع على الاتفاقية مع الجانب الصيني تهيأ الوفد العراقي للسفر. عندها مرت حادثة تسترعي الانتباه إذ كان الكثير من أعضاء الوفد قد تجول في أسواق بكين كلما أتاح الوقت لهم ذلك. واشتروا هدايا وحاجيات عديدة، ومن بينها أجهزة كهربائية كبيرة. فقد كانت العادة معروفة حين الوصول إلى بغداد بالسماح لهذه  الحاجيات والأجهزة أن تمر دون تأدية رسوم جمركية. مرّ عبد الخالق على الغرف لتفقد أحوال الوفد قبل السفر ولاحظ الهدايا والاجهزة الكبيرة، فامتعض جداً من كثرتها، وعبّر عن استيائه أمام أعضاء وفده وطلب على الفور من موظفي التشريفات العراقيين أن تخضع كافة المشتريات إلى الرسوم الجمركية في بغداد حسب الاصول ودون استثناء. ويمكنني القول أن تصرف عبد الخالق هذا يعكس عما يعرف عنه بتشبثه اللا محدود بالضوابط والقواعد. ولم أكن ألمس مثل هذا التصرف من أي عضو قيادي آخر برغم سفراتي العديدة معهم. (د. فخري قدوري، المصدر نفسه، ص 229). وفي الحلقة السابعة من شاهد على العصر بتاريخ 9/6/2008 تحدث السيد حامد الجبوري عن عبد الخالق السامرائي الذي اعتقل عام 1973 بتهمة التواطؤ مع ناظم كزار فقال ان عبد الخالق السامرائي أهم شخصية وهو وناظم كزار على طرفي نقيض جدا. وكان عبد الخالق السامرائي ضد سياسات صدام حسين على الاطلاق. وكان والشهادة لله والناس كلها تعرف وكثير من العرب ان عبد الخالق السامرائي رجل صالح بكل معنى الكلمة، فهو عضو مجلس قيادة الثورة، وعضو القيادتين القطرية والقومية لحزب البعث العربي الاشتراكي. وكان يخرج من القصر الجمهوري ويمشي باتجاه الباص العمومي الذي كان يمر من امام القصر الجمهوري انذاك ويصعد فيه لانه كان يرفض ان يأخذ سيارة خاصة به. اما بيته والله يعني بيت عامل بسيط، لم يستغل منصبه، وكان مسالما وذا ثقافة عالية. وكان صدام يكرهه لانه هو هذا عبد الخالق السامرائي، فهم ارادوا ان يبنوا قصورا وفيللا ويتمتعون بالحياة. وكانوا يشعرون ان هذا الانسان سيكون مقارنة بينه وبينهم. يعني هذا الانسان كانت غرفة الاستقبال في بيته مفروشة بالكرويتات الخشبية التي تستخدم في المقاهي العامة والارضية مفروشة بطابوق فرشي وليس الكاشي. اي انه انسان بسيط جدا. وكان يرفض ان يستغل وظيفته.

هذه المعلومات عن عبد الخالق السامرائي تجدونها في كتاب الاستاذ سيف الدين الدوري الجديد بعنوان: “اللغز في اعدام ناظم كزار مدير الامن العام وعبد الخالق السامرائي عضو القيادتين القطرية والقومية واربعة اخرين من اعضاء مجلس قيادة الثورة”، والكتاب صادر عن الدار العربية للموسوعات ببيروت.

في حوار أجرته صحيفة (القدس العربي) مع قاسم سلام عضو القيادة القومية السابق تحدث عن عبد الخالق السامرائي قائلاً: (عبد الخالق السامرائي كان صديقي وكنت دائماً التقي معه ساعات وساعات نتحاور وهو بلا شك مناضل وعفيف ونضيف لكنه كان عنيدا تصعب زحزحته عن قناعاته حتى لو كان على خطأ وكنت من الذين كان لهم دور في الحوار مع عبد الخالق وتلطيف الاجواء بينه وبين بقية اعضاء القيادة القومية وتحديداً النائب آنذاك صدام حسين..

?>