حوار – شامل عبد القادر
فِي عام 1992م التقيت المرحوم الشيخ العلامة العراقي الكبير الأستاذ محمد بهجت الاثري في المجمع العلمي العراقي، ودارت احاديث ممتعة تناول فيها شيخنا الجليل خبر تكريمه آنذاك بمنحة الدكتوراه الفخرية في اللغة العربية من جامعة بغداد، وطلبت منه ان نجري حوارا صحفيا فاستجاب (رحمه الله) لرغبتي، وبعد أيام قليلة ضيفني في بيته واجرينا حوارا بـإشرافه اذ طلب مني معتذراً ان يدوّن بخط يده اجوبته فوافقته على ذلك، ولهذا سيجد القارئ الكريم نسخا من المقابلة بخط يد الاثري، ولقد اجرى عليها شطباً واضافات وتعديلات كتبها بيده.
- ما مشاعر العلامة الفاضل محمد بهجت الاثري حين تلقى خبر تكريمه بمنحة الدكتوراه الفخرية في اللغة العربية من (جامعة بغداد)؟
– من البديهي ان توصف جامعة بغداد بانها كبرى قواعد العلم ومناراتهه في العراق الجديد، ولا ريب في ان ما يستعلن منها من تكريم لمن تتوسم عندهم العلم والعمل به ونشره انما يجيء على قدر جلالها الباذخ ورفعته وهي بمنحها اياي (الدكتوراه الفخرية في اللغة العربية): ام اللغات وسيدتها انما دلت على عرفانها بشأن العلم وتحليلها بخاصياته ومزاياه واثره في حياة الامة وانتهاجها سبل تشجيع طلابه للاقتداء بالرواد السابقين، وقديما قالت العرب: (انما يعرف الفضل من الناس ذووه) فإليها اولا وبالذات – أصرف معاني هذا التكريم الجليل ثم ياتي نصيبي منه وانا أصرفه عن شخصي إلى جلال العلم الذي منّ (الله تعالى) علي بشيء منه والعلم في العالم وانا انميه – ما ستطعت – بالتعلم دوما وبمواصلة القراءات والبحث والنظر وازكيه بالعمل به ووضعه خالصاً مخلصاً في خدمة الامة وارجو ان اسعد – ما عشت – بهذا الشرف واتمتع بهذا الخير من حظوظ الحياة غير محروم منه. وانت تسألني: هل اعتقد هذا التكريم جاء متأخرا؟ أقول لك ان هذا التكريم من (جامعة بغداد) مصدره تقليد جامعي جديد استحدثته جامعة بغداد قبل بضعة اعوام، فهو ليس بقديم العهد والامور انما تقاس بأزمانها وهي قد بدأت بـإخراج هذا التقليد من حيز القول إلى حيز الفعل –على الصعيد الرسمي- وجاءت اليوم- على الصعيد الشعبي، فاصطفت اثنين رأتهما جديرين بالتكريم ولديها اسبابه وبواعثه فلا موقع اذن للاعتقاد بمجيء هذا التكريم متاخراً، وازيدك علماً بتواصل (جامعة بغداد) معي من نحو ربع قرن، فهي قد ندبتني مرة لامتحان طالب (ماجستير) ومرة لامتحان (طالب دكتوراه)، واخذت تحيل علي دراسات وبحوث ومؤلفات لـ(دكاترة) لأقوّمها واصدر احكامي عليها فتعمل بما اقوله ايجابا او سلبا، حتى اذا سنت هذا التقليد حديثا بادرت إلى تكريمي هذا مشكورة اجزل الشكر على حفاوتها بقدسية العلم.
- هل يحفل العلامة (الأثري) بالشهرة؟ وهل يخاف الشهرة؟
– من يحفل بالشيء لا يتصور خوفه منه، ومن يخاف من شيء لا يحفل به بل يتجنبه وينأى عنه والشهرة (كل شهرة) هي حصيلة ما يصدر عن الانسان من شيء بارز يشيع عنه فيعرف به، ومن ابيات (ابن الوردي) السائرة:
قيمة الانسان ما يحسنه
اكثر الانسان منه او اقل
وشطره الأول من مأثور كلام سيدنا الامام علي (رضي الله عنه)، وعلى قدر الانسان تجيء شهرته وكل امرء بما كسب رهين، وقديما قال شاعر عربي:
الناس اكيس من ان يمدحوا رجلا
ما لم يروا عنده اثار احسان
فالشهرة لا تطلب بل تجيء بواعثها. ومن يحفل بها يعبر عن ضعف نفس.
- أين يضع العلامة الفاضل (الأثري) نفسه بين علماء الامة في زمننا هذا؟
– هذا شأن لا افكر فيه ولا يخطر مني ببال، وهو من شأن علماء الامة ان يفعلوه فيضعوني في المكانة التي تؤهلني لها اعمالي بالعدل والقسطاس المستقيم، بتجرد بالغ واخلاص للحقيقة.
- ما جديد العلامة الفاضل (الأثري) من مقالات ودراسات ومخطوطات؟
– لدي جملة صالحة منوعة، منها: الجزء الثاني من ديواني، وكتب مؤلفة في البلدان، وفي التاريخ، وفي اللغة… واحاول الان بحث (ثقافة الخلفاء الراشدين والامويين والعباسيين).
- للاثري دور في ثورة مايس 1941م وللعلامة الفاضل – كما علمنا اواق منثورة في مكتبة البيت، متى ترى هذه الاوراق النور، لتقدم للناس كتابا فيه ادبه وسياسته؟
– ان خير ما تضمنته لي هذه الاوراق هو ما اتاح لي السجن في المنافي خلال ثلاثة اعوام من قصائد وطنية وقومية وقد اودعت معظمها الجزء الأول من ديواني – اما الاوراق التي تحفل بالسياسة والاحوال العامة في حقبة السجن وكفاح الاستعمار الغاشم، فأنني ارجو ان يسعفني الوقت والصحة والتوفيق على لمّ شتاتها وتحريرها.
- لماذا لا ترشح نفسك لجائزة (نوبل)؟ واذا رشحت وفزت هل ترفض الجائزة؟
– أرأيت امرء يعرف قدر نفسه ويعتز بكرامته ويستجدي الجوائز؟ وانك لم تجد من اهلها من يرشح لهذه الجائزة رجل عربي الدعوة والكفاح واسلامي النزعة والجهاد، ذلك لانها خصصت لاهداف غير هذه الاهداف، واذا قدر ان يقع منهم هذا المحال فمنحوني اياها، فانني سأرفضها قطعا ان اريد ان اخدم غاياتهم بنوع ما من الخدمات التي يوحونها.
- هل انت راض عن الذي حققته في حياتك؟
– ذلك ما قدر لي، ولا معدى لي عن الرضى بما يقدر الله تعالى ايمانا وشكرا للنعمة. ومن نعمه سبحانه وتعالى علي ان جعلني لا افرغ من عمل حتى انصب ثانية إلى شيء اخر جديد راغبا إليه ان يعينني على تحقيق المزيد، فأنا من حاضري وفي تعب مستمر ولكنه التعب الذي يشعرني بسرور النفس، وانشراح الصدر وحلاوة الفعال وفي ذل وفي هذا قلت:
متى استريح إلى حاضري
اغدُ المسيرَ فلا منزلٌ
كان وراءَ المحجبِ.. ما
فعودي عن دربهِ منصبٌ
وفي مرَ خبطي او عارهُ
ارى ليَ في كل ما اختطي
وشاو يمرُ وشاوٌ يجيء
سأدنبث ما عشت رحلَ السرى
وقلبي بمستقبلي مجهدُ
يلوحُ ولا غاية اشهدُ
ارومُ من الأمر او ارصدُ
وحتى السرى راحة تُسعدُ!
مذاقُ ل حلاوةِ ما انشدُ!
لواءً، على هضبةٍ يُعقدُ!
واخرُ لي عندهُ موعدُ
وعزمي من بعدهِ ابعدُ!
ذلك كله.. لأنني (طالب علم) ومن لم يدأب في طلبه يَنبتُ فيقصرُ عن الغايات وما للعلم مدى يحده، ولا نهاية يقف عندها، فالانسان طالب علم ابدا وان بلغ مرتبة الاجتهاد وعُدا اعلم العلماء.
- كيف يقضي العلامة (الأثري) يومه؟
– اقضي معظمه في هذا الشأن، لحلاوته وطيب مذاقه وجلال قدسيته.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة