الثلاثاء , مايو 19 2026
?>
الرئيسية / ذاكرة عراقية / سام بن نوح أول مؤسس لمدينة سامراء في العراق وصنعاء في اليمن

سام بن نوح أول مؤسس لمدينة سامراء في العراق وصنعاء في اليمن

جميل إبراهيم حبيب

يَتعلق هذا الاسم المشهورة كما في ذاكرة التاريخ فيما اذا كانت للتاريخ ذاكرة حقيقية وليست افتراضية، بدلالات واخبار غائرة في افاق الزمن البعيد… فهو احد ابناء نوح (عليه السلام) الذين حمل بهم معه في السفينة الصاعدة بأمر الله الى السماء من قلب العراق بعد الفيضان العارم او (الطوفان) الذي طغى على وجه البسيطة والذي أشار اليه التاريخ بتأكيد الجغرافية، والجغرافية اصدق من التاريخ بشهادة الامكنة واثارها، ومن ثم هبط مع ابيه واخوته بعد رسوها على قمة جبل جودي في اقصى الشمال من ارض العراق ايضاً بجوار أطراف نينوى، وعلى مقربة من هذا الموقع، شرعوا ببناء اول قرية سكنية بعد النزول من السفينة، والنجاة من الغرق حيث سميت بقرية الثمانين ولا يزال نفس الاسم بعينه يطلق على هذا المكان لحد يومنا هذا، ومنها انطلقت موجات الحركات البشرية بالتجوال والانتقال الى جهات الارض الاربعة متفرقين بين قارة اسيا وافريقيا واوربا ومن ثم الى سائر انحاء الارض، وقد انحصرت ذرية ادم فيما بعد ذلك عن طريق نوح (عليه السلام) بين سام ابو الاقوام العربية وحام ويافث… الخ. وكان سام هذا فائق الذكاء والمهارة والمواهب وكثير الحركة والنشاط واختيار ما هو افضل فضلاً عن كونه قائداً ناجحاً اذا تجول في كثيرة من انحاء بلاد الرافدين وما جاورها واقام لفترات مؤقتة في مواطن عديدة منها،… والمستفاض الوارد في الاخبار انه مرّ على ارض سامراء الطيبة الهواء والوفيرة الخصب والخيرات بعد خروجه من نينوى ومكث فيها لفترة غير محددة وبحسب ما ورد من اثار مروية ومسموعة بأن كلمة سامراء نفسها مستوحاة من صدى واقعة ارتياد سام لهذه البقعة ذات الطبيعة الخضراء والساحرة (لفظة ودلالة)… حيث انها تعني المكان الذي مرّ فيه سام بن نوح يوم كان سام هو السيد القائد لاولاده واحفاده واحفاد احفاده وزعيمهم، والذين اطلق عليهم المؤرخون اسم “الساميين” وهو مصطلح خاص بهم تمييزاً لهم عن الحاميين واليافثيين، فأينما كان يحل أو يقيم فهو سيد المواقف والقرارات في الاقوال والاعمال حتى حدا الامر ببعض المؤرخين القدماء بالتصريح بان سام هو اول من دشن وبنى مدينة سامراء، وليس في الامر غرابة، فهو الصاحب الشرعي للبلاد – يومئذٍ – بلا منافس في ميادين البناء والتعمير وقرارات الاقامة أو الهجرة بما تقتضيه الامور والاحوال والظروف والمصالح… وكان سام هذا زائد الطموح وجامح الاستطلاع فلم يقف به طول المقام والاستقرار بهذه المدينة الناشئة سامراء بل استمر منطلقاً يشق الطرقات والمسافات في مختلف الاقطار والبلدان حتى طاب له التصميم والعزوم بالقاء عصا الترحال والبقاء بأرض اليمن السعيدة في نهاية المطاف لانه وجد فيها ضالته في كفاية المواصفات ومحاسن الاختيار والانتقاء، حيث قضى في فضاءاتها مع رهطه الذين هم طوع قيادته، ليعيش معهم هناك، وليترك فيها آثارهم العمرانية والحضارية الخالدة التي شهدت بها الكتب والمؤلفات والاثريات ولعل من اهم ثمارها شروعه ببناء مدينة صنعاء التي تعتبر من اقدم مدن العالم قاطبة… ان المعروف عن مدينة سامراء انها قديمة وموجودة قبل الفتح العربي الاسلامي قروناً عديدة بدليل ما فيها من اثار سكنية واروائية ومخلفات حضارية راقية متفرقة ومتناثرة هنا وهناك… قال الحموي في كتابه “معجم البلدان” ان ابراهيم الجنيدي قال: سمعت يقولون ان سامراء بناها سام ابن نوح (عليهما السلام) ودعا ان لا يصيب اهلها سوء… وقد اثبتت التنقيبات الاثرية في اطلال سامراء، ان موضع سامراء كان اهلاً بالسكان منذ ادوار ما قبل الاسلام… (وهم احفاد سام بن نوح)، اذْ تركوا صناعات واختام واواني فخارية ومعدنية ومشاريع اروائية في غاية الاتقان الهندسي… وقد عثر الدكتور احمد سوسة في اثار سامراء على فخار يعود الى ما قبل التاريخ، وهو من نفس الفخار الذي في بقعة شبه الحاوي وذلك في التل المعروف باسم (تل صوان) الواقع على نهر دجلة جنوب سامراء في جوار منارة القائم… وقد جاء اسم هذا الموضع في الكتابات الاشورية بصورة (سرمارتا)، كما عرّف البابليون هذا الموقع باسم (سيمورم)… وقد ازدهرت فيها عدة قرى واديرة قبل انشاء المدينة المجددة المسماة بسامراء المعتصمية العباسية… وقد وُجِد هناك حصن باسم (سومير)، وهو ذو صلة بلفظة سامراء بلا شك، والراجح ان الاسم مشتق منه بحكم التداول والتناقل مع التصرف بالتحوير اللساني، جيلاً بعد جيل… وذكر المسعودي في اسباب تسميتها انها مدينة سام بن نوح (عليهم السلام)، وقد حرفت بالفارسية الى (سام راه) اي الطريق الذي مرّ فيه سام بن نوح مؤسس المدينة فيما بعد… ثم بعد هذا الفاصل المثير تأخذنا المواصلة المفاجئة بعجب شديد لنعثر على لوحة مسرح التاريخ اسم سام بن نوح وهو مرسوم مجدداً في مرآة مفردات ذخائر التراث التاريخي المتوارث عن اليمن بما يكمل ربط سلسلة حلقات الموضوع بعضها بالبعض الاخر في صورة واضحة لكي يخرجنا بالقول الى ان سامراء وصنعاء مدينتان شقيقتان بانيهما شخص واحد هو سام بن نوح (ابو العرب)… فقد ورد في مجلة ((اليمن الجديد))، “وهي مجلة شهرية ثقافية – العدد الثاني – السنة السادسة عشر فبراير 1987م – جمادي الثاني 1407هـ، ص 104 – 105″، عن سام ابن نوح بقولها: “… وبعد الفيضان، اجتاز سام بن نوح، أجمل مناطق الارض، ووصل اخيراً الى اليمن، الى هضبة صنعاء، ولقد أعجبته، لدرجة أنه أشاد فيها قصر غمدان، وحفر بها بئراً،… ويزعم المؤرخ الهمداني ان صنعاء هي “اقدم مدينة في العالم”، ويؤكد اليمنيون انها عميدة مدن شبه الجزيرة العربية…”. ودارت افلاك التاريخ دورتها، واذا هذه اليمن ذات الجبال الخضراء والوديان الخصبة الزهراء، جنة القهوة والبخور ونباتات العطور والكروم وسنابل القمح ومختلف الخضار والزروع… منطقة ملكة سبأ، ومعين، وحمير… هي مهد القبائل العربية المتحضرة التي تفرقت في الحبشة وشبه الجزيرة العربية، وفي العراق وسوريا ومصر وليبيا حتى اقاصي المغرب والصحراء الكبرى فضلاً عن الاقسام الجنوبية والغربية من تركيا (بلاد الروم سابقاً) فالدورات متداخلة ومتواصلة، مطبوعة في وحدة الاصل واللغة والارض والعقيدة والوجدان والتاريخ والمصير المشترك، وهي تمضي قدماً تحت ألطاف الرعاية الالهية الكريمة… وتحت راية “انما امتكم امة واحدة وانا ربكم فاعبدوني” صدق الله العظيم. والله الموفق.

?>