لا يُذكر اسم وتأريخ مكة أو الحجاز أو قريش إلا ويذكر معه دار الندوة ذلك المجلس الذي كان يتم فيه تنظيم شؤون المنطقة إدارياً ودينياً واقتصاديا وفق أساليب تلك الظروف وعاداتها وتقاليدها ومراسيمها. وقد ظل هؤلاء الملوك يحكمون الحجاز الى ما بعد هجرة اسماعيل عليه السلام ونشوء الشعب العدناني وكثرته, فأخذ يشارك الجراهمة في حكمهم, ثم انتقلت سدنة الكعبة الى بني اسماعيل أولاً, ثم الى بني خزاعة, وظلت في هؤلاء الى زمن قصي بن كلاب, فتمكن من توطيد نفوذه على الحجاز ثم استولى على سدنة الكعبة من بني خزاعة فجمع بذلك الرئاسة الدينية والرئاسة السياسية. وكانت الأعمال السياسية لهذه الامارة تمثل في: قيادة الجيش في وقت المحاربات… وعقد اللواء… ورئاسة دار الندوة التي كانوا يعقدون فيها مجلس شوراهم, ويحلون مشاكلهم, ويصدرون قراراتهم ويديرون شؤونهم العامة… والسفارة: أي التوسط بين قريش والقبائل الأخرى وإبلاغها قراراتها وأعمالها. كان قصي اول من أعز قريشاً وظهر به فخرها, ومجدها وسناها وتقرشها, فجمعها, وأسكنها مكة وكانت قبل متفرقة الدار, قليلة العز, ذليلة البقاع, حتى جمع الله الفتها, وأكرم دارها, وأعز مثواها. وكانت قريش كلها بالأبطح خلا بني محارب والحارث ابني فهر, ومن بني تميم بن غالب وهو الأدرم، وبني عامر بن لؤي, فأنهم نزلوا الظواهر. ولما حاز قصي شرف مكة كلها, وقسّمَها بين قريش, واستقامت له الامور, ونفى خزاعة, وهدم البيت, ثم بناه بنياناً لم يبنه أحد, وكان طول جدرانه تسعة اذرع فجعله ثمان عشرة ذراعاً, وسعفها بخشب الدّوم وجريدة النخل, وبنى دار الندوة, فكان لا ينكح رجلاً من قريش, ولا يتشاورون في أمر ولا يعقدون لواء الحرب, ولا يعزرون غلاماً الا في دار الندوة, وكانت قريش في حياته وبعد وفاته أمره كالدين المتبع. وهكذا ظهر لنا أن تأسيس دار الندوة جاء في الوقت الذي ظهر فيه قصي على المسرح السياسي في مكة, حيث علا نجمه وتمكن من بسط نفوذه على قريش ومكة. وبقيت دار الندوة تحتفظ بمكانتها منذ عهد قصي دون منافس, ولكنها أخذت تفقد أهميتها شيئاً فشيئاً بعد ظهور الاسلام في مكة واجتماع المسلمين في دار الأرقم, ثم أخذت تتزعزع أكثر بعد أن هاجر المسلمون الى يثرب حيث أصبح المسلمون تحت قيادة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم يتصدون للغارات التي تعدها قريش من مكة اثر اجتماع قادتها في دار الندوة, وقد أخذت اللحظة الحاسمة دورها الفعال في نسخ نفوذ دار الندوة من أذهان القرشيين تماماً وذلك في يوم فتح مكة تحت قيادة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم حيث سقط مفعولها الى الأبد ولم يبق الا اسمها ورسمها أما رسمها فقد زال اثره بمرور الايام وأصبح مجهولاً, أو لا أهمية له مطلقا, وأما أسمها فقد بقي ذكره في صفحات التأريخ وفي حدود الاعتبار بأخبارها واستطراد المناقشات التي دارت بين زعامتها وما جرت بين جدرانها من نقاشات وإصدار القرارات في حينها… وهكذا دارت الايام لتصبح هذه الدار وأخبارها في خبر كان ولا يأتي لها ذكر الا للاعتبار وأخذ العظة من دروس الماضي وآثاره بعين الاستبصار.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة