إحسان حجازي رئيس تحرير صحيفة (العالم العربي) اللبنانية للسفير الأميركي: عبد الرحمن عارف ضعيف جداً وغير قادر على تحديد المدة الانتقالية
نقلت السفارة الأمريكية في بيروت إلى وزارة الخارجية الأمريكية تفاصيل مهمة عن وقائع انتخابات نقابة المحامين العراقيين
الدكتور محمد هاشم خويطر الربيعي
كما أشرنا فإن العديد من الظواهر، كانتْ تؤشر احتمال حدوث “انقلاب” أو “حركة” ضد حكم الرئيس عبد الرحمن عارف. لهذا استوجب ذلك متابعة من لدن الدوائر الدبلوماسية الأمريكية في دول المنطقة، للتطورات الداخلية في العراق. ففي لقاء إحسان حجازي رئيس تحرير صحيفة “العالم العربي” اللبنانية، مع السفير الأمريكي في بيروت دوايت بورتر، في 7 شباط 1968، شدد حجازي على أن “عارف ضعيف جداً” وهو “غير قادر على تحديد المدة الانتقالية”، والبديل الواضح… من وجهة نظر حجازي هي “عودة القيادة البعثية المعتدلة برئاسة أحمد حسن البكر”. من جانبه، أعلم السفير بورتر وزارته، بأن “وجهة نظر حجازي مشابهة” الى الرسائل التي وصلت إليه من “كل العرب المعتدلين”. تابع الأمريكيون بانتباه وقائع اللقاء الذي تم في الكويت في شهر شباط، بين عبد الرحمن البزاز رئيس وزراء العراق الأسبق، والمسؤولين الكويتيين، فقد وردت تفصيلات وافية بشأن اللقاء الصحفي الذي اجرته صحيفتا “الرأي العام” الكويتية و”ديلي نيوز” وبعث بتفاصيله السفير الأمريكي في الكويت الى وزارة الخارجية الأمريكية في برقيته المؤرخة في14 شباط 1968. وبالمستوى نفسه، التقى السفير الأمريكي في طهران مع مراسل صحيفة “نيويورك تايمز” توم بريدي، في طهران في 26 شباط 1968 بعد عودة الأخير من زيارته لبغداد، ونقل بريدي إلى السفير أن الأوضاع في بغداد “مضطربة”، وعلى الرغم من ذلك فأنه استطاع مقابلة عبد الرحمن البزاز وأحمد حسن البكر، فضلا عن رئيس الجمهورية عبد الرحمن عارف، مع ذلك فإن اتصالاته الأخرى كانت محدودة مع “الطبقة المتوسطة”، ولم يجر أية اتصالات مع “اليساريين”، وأوضح بريدي، أن الرئيس عارف “لم يظهر عليه أي قلق حول توسع النفوذ السوفيتي في العراق”، إلا أنه توصل إلى نتيجة مفادها: ان “سياسة العراق الخارجية مرتبطة إلى حد بعيد بسياسة جمال عبد الناصر”. في ذلك الحين، اقترب الشيوعيون لأول مرة من واجهة الأحداث السياسية، بعد أن ظلوا مدة طويلة يمارسون نشاطهم من وراء الكواليس ودفعوا غيرهم إلى الواجهة العلنية، عندما اشتركوا في انتخابات نقابة المحامين في نهاية شهر شباط 1968 والأهم من ذلك كله. “أنهم انضموا إلى ائتلاف مع البعثيين الموالين لسوريا والحركة الاشتراكية العربية”، وحصلوا على 413 صوتاً. ونتيجة لهذا الفوز تبوأ عبد الوهاب محمود منصب النقيب لنقابة المحامين. والملاحظ هنا. تطابق المعلومات التي ذكرها الدكتور جعفر عباس حميدي في سفره “تاريخ الوزارات العراقية في العهد الجمهوري” مع ما ورد في أحدى الوثائق الأمريكية التي تعود إلى تلك المرحلة. فقد نقلت السفارة الأمريكية في بيروت في برقيتها المؤرخة في آذار 1968، الى وزارة الخارجية الامريكية تفاصيل مهمة عن وقائع “انتخابات نقابة المحامين العراقيين” ونتائجها، طبقاً لمعلومات من تقرير “مشوق”، كما يحلو لها تسميته، لصحيفة “الأنوار” العربية اللبنانية. وفي تعليقها على الانتخابات ونتائجها، أشارت إلى أن التقرير المذكور يتطابق مع المعلومات التي وصلت إلى السفارة من مصادر أخرى والتي كان مفادها “إن البعثيين والعناصر اليسارية الأخرى يزيدون من قوتهم في هذا البلد بسرعة وربما يعملون على خلق جبهة يسارية يمكن أن تحل محل حكومة طاهر يحيى. ومن تلك الاشارات، إن ما شهدته الساحة السياسية في العراق في تلك المدة، كانت توحي بتهيئة انقلاب على السلطة الحاكمة، فقد اتهم تقرير عراقي أمني خاص مؤرخ في 7 اذار 1968، بعض “العراقيين من انصار العهد المباد الموجودين في كل من بيروت والكويت ولندن”، بإثارة النشاطات الموجهة ضد “الحكومة الوطنية ورجالها المخلصين”. الذي يهمنا في هذا التقرير تحديداً، ما أشار إليه بشأن “وجود مركز استخباري أمريكي في الكويت يقوم بمتابعة أخبار العراق وجمع المعلومات عن كافة النشاطات فيه”، ولا سيما تحركات “رئيس الجمهورية”. وافصح التقرير نفسه، عن أسم الشخص الأمريكي الذي يدير المكتب المدعو “ألف، وهو يعمل في الظاهر كموظف في السفارة الأمريكية في الكويت” وان “الاجتماعات مستمرة بين هؤلاء في الكويت ولندن، لوضع الخطة ضد حكومة العراق”، وفي الأحوال كافة، فان توقع حدوث “انقلاب رجعي” كما أشارت التقارير الأمنية العراقية، وعدم استجابة حكومة طاهر يحيى لمطالب التنظيمات القومية، مثلما رأى الدكتور جعفر عباس حميدي في هذا الأمر تحديداً “دفع العديد من الضباط القوميين للضغط على رئيس الجمهورية عبد الرحمن عارف لاجراء حوار مع القوى السياسية والضباط الأحرار الذين أسهموا في ثورة 14 تموز للتداول في معالجة الأوضاع المتردية في البلاد”. والأكثر إثارة للاهتمام بكثير، إن الوثائق الأمريكية، المتوافرة بين ايدينا، تردد فيها اسم أحمد حسن البكر لأكثر من مرة، وذكرت فيها من احتمالات ان يتولى منصباً قيادياً في العراق، وعلى وفق ذلك، وبالاستناد إلى المعلومات المتوافرة في برقية السفارة الأمريكية في بيروت إلى وزارة الخارجية الأمريكية في 10 نيسان 1968 ، التي استقت معلوماتها من صحيفة “الأنوار البيروتية” الموالية للجمهورية العربية المتحدة، والصادرة في 1 و 2 نيسان 1968 ، افادت: “إن القوى الثورية المختلفة في العراق، تجمعوا في بيت رئيس وزراء العراق الأسبق أحمد حسن البكر”، في 29 آذار لتقريب وجهات النظر لتضمين قائمة من المطاليب لتسليمها إلى الرئيس عارف، الذي وعد “بدراسة المطاليب، مثل، تشكيل حكومة ائتلافية، تشمل الجماعة الكردية، ثم يتبعها انتخابات برلمانية” بعد تمديد آخر لمدة سنتين للمرحلة الانتقالية. عد السفير الأمريكي في بيروت، من جانبه تلك التطورات بمثابة رد فعل استمر لأكثر من ستة اشهر. ففي تعليقه على تلك “التجمعات” التي قدمت احتجاجاً للرئيس عارف، قال أن “معظم المشاركين فيه هم من الشخصيات العسكرية المعروفة من المؤيدين للجمهورية العربية المتحدة أو المؤيدين للنزعات البعثية”، كما قدمت “عناصر أخرى من ضمنها رئيس الوزراء الأسبق البزاز ومجموعة من المدنيين مذكرة طالبت فيها بانتخابات برلمانية وإعادة تشكيل الوزارة”..
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة