الثلاثاء , مايو 19 2026
?>
الرئيسية / ملفات وقضايا / الحلقة 20 : الفخ الرئاسي للرفاق

الحلقة 20 : الفخ الرئاسي للرفاق

حفريات جديدة في ذاكرة مجزرة قاعة الخلد تموز 1979

 لمن قال صدام سنسدِّد القسط في موعده ولو اضطررنا لبيع ملابسنا؟

العقيد الركن حامد الدليمي للرفيق نزار: (أهنئك بخروج العمّ.. ونقلك إلى جبهة التحرير العربية)

شامل عبد القادر

 

فِي اجتماعاته ومباحثاته مع الجانب السوفياتي نجح في كسب احترامهم بتصرفاته وأسلوب تعامله معهم، ومع رفاقه أعضاء الوفد المشاركين في المباحثات، إذ كان يحرص على أخذ رأيهم، وعرض وجهات نظرهم في المواضيع التي يجري التباحث فيها، الأمر الذي أشعر السوفيات بأنه لا وجود للرأي الواحد أو الفرد الواحد في القيادة العراقية للحزب، وأنها تمارس التشاور وتبادل الرأي في الأمور كافة، مع أسلوب ذكي وبارع في الحديث من جانب النائب. وكانت طريقته في الحركة كفيلة بإشعارهم في الوقت نفسه بأنه الرجل الأول فيهم وصاحب الرأي والقرار. وأذكر بأنه عندما اقترح تأجيل دفع قسط مالي مستحقٍ للجانب السوفياتي بضعة أشهر لحين تحسّن موقفنا المالي، تهامس السيد كوسيغين مع الوزير المختص الجالس إلى جانبه، ثم قال: «أنا آسف، فلا مجال للتأجيل، فقيمة القسط المذكور قد أُدرجت في الميزانية السنوية»، وهنا قام صدام بمدّ يديه كمن يريد أن يخلع سترته، وقال: «إنني أتفهم ذلك تمامًا، وسنسدِّد القسط في موعده ولو اضطررنا لبيع ملابسنا، ثم أعاد سترته إلى مكانها». كانت حصيلة الزيارة عقد اتفاق ضخم وشامل، وتأكيد الانطباع لدى القيادة السوفياتية بأن صدام حسين هو الرجل القوي والزعيم المقبل للعراق. عقد في دار السفير العراقي شاذل طاقة اجتماع قيادة التنظيم الحزبي في الاتحاد السوفياتي، حضره صدام حسين وعبد الخالق السامرائيّ وعبد الكريم الشيخلي، وعرضت فيه قيادة التنظيم إيجازًا لأعمالها وفاعلياتها. ثم بدأ صدام بعرض شامل للوضع السياسي في العراق والمنطقة ودور الحزب ومنظماته، والنجاحات والإخفاقات التي مررنا بها في السنوات القليلة الماضية، ومسؤولية الرفاق الحزبيين في هذه المرحلة، ثم تعرّض لزيارته والوفد وما تحقّق بها. كان مقنعًا في عرضه وممتعًا في حديثه، ويوحي لمستمعيه بالثقة والاطمئنان والإيمان العميق بالحزب والوطن والأمة، ولم يُشعرنا بأنه الرجل الثاني في الحزب والدولة بل كأنه واحد منا مع بقاء الهيبة والاحترام له. وعندما خاطبه السفير بالرفيق النائب ابتسم وقال: «أفضِّل أن تنادوني بالرفيق أبو عدي». وفي الاجتماع كان الرفيق فاضل البراك ينظر إليّ بين الفينة والأخرى، وكأنه يقول «هذا صدام أليس هو كما قلت لك؟»، والواقع أنه قد ترك فيَّ انطباعًا وتأثيرًا كبيرين. انتهى الاجتماع وخرجنا إلى الصالة الرئيسة لتناول العشاء الذي كان جاهزًا في صالة مجاورة، فتوقفت أمامه وقلت: «اسمح لي رفيق أبو عدي، أريد أن أحدثكم عن موضوع الأنصاريّ». اعترض السفير شاذل طاقة وقال: «ليكن ذلك بعد العشاء»، لكن صدام أجابه مبتسمًا «دعونا نرى ما لدى الرفيق نزار. إنها قضية عمه، ومن حقه أن يقول ما يريده». كان الجميع ينظرون إليّ عندما بدأت الكلام. في البداية كان صوتي يرتجف قليلًا، وقلت: «أريدك رفيق أبو عدي أن تعرف والرفاق بأن علاقتي بالأنصاريّ ليست علاقة ابن أخ بعمه، بل إنها أعمق بكثير فهو عمي وصديقي وآمري ومعلمي، وقد أبدو متحيزًا في كلامي عنه، لكني كبعثي ملتزم سأحاول أن أكون محايدًا في ما أعرضه لكم عمّا أعرفه عن الأنصاريّ». وبدأت أتكلم صادقًا وبثقة وموضوعية عن تفاصيل ما أعرفه ومواقفه منا نحن البعثيين ومحبته لنا، وإعجابه بنا لِما كنا نُبديه من شجاعة وتضحية في سبيل الوطن، وعمّا اتّهم به، وقناعاتي العميقة والراسخة ببراءته. وكان صدام يصغي باهتمام وتركيز ويهز رأسه كمن يحثني على الاستمرار. وعندما اعترض الرفيق الشيخلي بقوله: «إننا كنا نلاحظ أنه كان يخزرنا بنظرات متوعدة في المناسبات التي التقيناه فيها». أجبته: «هل تعتقد حقًا أن من يريد التآمر والانقلاب عليكم يخزركم بنظراته كلما التقى بكم أم أن العكس صحيح؟ فكل ما في الأمر أن عينيّ الأنصاريّ واسعتان، وتنحرفان قليلًا عندما يفكر أو يسهو لحظة، وهذا ما جعلك وآخرين أيضًا تخرجون بمثل هذا الانطباع». علّق صدام بالقول: «إن من يتآمر علينا لا يتوعدنا بخُزْراته. أرجو أن تستمر في حديثك رفيق نزار». وبعد أكثر من نصف ساعة كنت قد قلت ما أريده، عقّب صدام: «إنني مقتنعٌ بما قاله الرفيق نزار على الرغم من أننا نعلم أن العديد من الضباط المتذمرين كانوا يزورونه في حينه، وقد ألّبوه علينا بعض الشيء»، واستمرّ في كلامه: «دعني أوضح لك ذلك بشكلٍ أفضل، الأنصاريّ مثل الورقة البيضاء، وإذا ما كتبت عليها بقلم الرصاص مثلًا فستترك أثرًا مهمًّا. هل حاولت أن تمحوه؟»، أجبته أن ذلك يحدث مع آخرين، فالرجل لا يعرف الحقد والكراهية، وأكّدت: «أبدًا». قال صدام أخيرًا: «رفيق نزار أنا شخصيًّا سمعت عنك، وكنت أعرف بأنك صِدامي وبعثي وملتزم، لكنك الآن أضفت إلينا شيئًا آخر. خسارة أن يكون مثلك هنا فيما الوطن يحتاج إليك، ونحن نحتاج إلى أمثالك معنا. ستعود قريبًا وترى الأنصاريّ حرًا طليقًا». توقف قليلًا، واستدرك قائلًا: «طبعًا بعد أن نأخذ رأي الرفاق في القيادة، لكنني أقول إنك ستسمع أخبارًا طيبة». وبعد عودته من قصر الضيافة الذي يسكنه صدام جاءني فاضل البراك، وقال: «مبروك أخي، لقد تركت لدى النائب انطباعًا ممتازًا، وهو معجبٌ بك، وقد أسعدني قوله هذا». في اليوم التالي أقام صدام حسين والوفد المرافق له دعوة عشاءٍ لجميع موظفي السفارة وعوائلهم في الطبقة 21 من فندق روسيا الضخم قبل عودته إلى الوطن. كان الفرح يشمل الجميع، وفي صدر مائدة العشاء الطويلة كان صدام حسين يجلس وإلى يمينه وشماله أعضاء الوفد والمدعوّون. وعندما كانت العيون تلتقي كان يرفع قدحه، إذ كان يشرب الماء المعدني فحسب، فأردُّ عليه بشرب كأسي حتى الثمالة. كنت منهمكًا بالحديث مع البراك الجالس إلى جانبي عندما ربت أحدهم على كتفي فالتفتُّ فكان السفير الذي انحنى وهمس في أذني: «النائب يريد التحدث إليك»، فنهضت وذهبت إليه. أمسك بيدي وسحبها قليلًا، الأمر الذي اضطرني إلى الانحناء فهمس في أذني: «رفيق نزار لو قلت لك إنّا محتاجون إليك الآن، وأريدك أن تعود معي على الطائرة التي سنغادر بها غدًا، ماذا تقول؟»، أجبته  من دون تردد: «أبو عدي، إنك وعدتني أن أعود قريبًا لألقى الرجل أماميّ حرًا طليقًا»، جفل قليلًا لجواب لم يتوقعه كما يبدو، فترك يدي التي كان ممسكًا بها، وقال: «حسنًا على خاطرك». .لم نستلم أي إشعار بإطلاق سراح الأنصاريّ بعد أسبوع من عودة الوفد، وفي الأسبوع التالي كتبت رسالة إلى صدام وأرسلتها بالبريد السياسي، وكان مضمونها «انتظر تنفيذ وعدكم، ووعد الحر دين». بعد بضعة أيام استلمت برقية من زميلي الرائد الركن حامد الدليمي (العقيد الركن حامد الدليمي من دورتي في الكلية العسكرية. بعثي قديم وعضو فرع التنظيم العسكري للحزب. تولّى منصب معاون مدير استخبارات ثم آمر لواء، وأبعد إلى منصب ملحق عسكري في باكستان. اعتقل بعد تولّي صدام حسين رئاسة الجمهورية. مات تحت التعذيب في السجن) معاون مدير الاستخبارات، كان نصها «أهنئك بخروج العمّ، ونقلك إلى جبهة التحرير العربية “وركبت على الفور أول طائرة متجهة إلى بغداد”. ذهبت بعد وصولي مباشرة إلى منزل العم في مدينة الضباط، ولحظت واحدة من سيارات الاستخبارات متوقفة في مدخل الشارع المؤدي إلى الدار وداخلها عدد من الأشخاص، وأخرى قرب البيت، وحولها يقف آخرون يدققون في أوجه الداخلين إلى منزل الأنصاريّ والخارجين منه. ولما دخلت عليه كان يجلس مع بعض الأقارب وواحدٍ أو اثنين من الأصدقاء القدامى. قال: «هل رأيت الشبان المحيطين بالمنزل والذين في مدخل الشارع؟ استبدلوا السجن بالإقامة الإجبارية، كما يبدو أن الأمر بمصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة لا يزال ساريًا كما أعتقد»..

?>