الثلاثاء , مايو 19 2026
?>
الرئيسية / ملفات وقضايا / الحلقة 19 :  سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه العراق في عهد الرئيس عبد الرحمن عارف 1966 – 1968

الحلقة 19 :  سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه العراق في عهد الرئيس عبد الرحمن عارف 1966 – 1968

الدكتور محمد هاشم خويطر الربيعي

تقرير أميركي: نظام عبد الرحمن عارف لم يكن قادراً على بناء الحياة البرلمانية

 راقبَ الأمريكيون عن كثب آثار تلك التطورات على الساحة العراقية وحددوا في تقاريرهم الخاصة عواقبها، ونتائجها من وجهة نظرهم، وربطوا بها العديد من الظواهر السياسية التي شهدتها الساحة العراقية منذ تسنم الرئيس عبد الرحمن عارف مقاليد الحكم في العراق. ففي “تقرير خاص” عن “العالم العربي، 1967 نظرة سياسة عامة”، يتعلق بالعراق تحديداً أوضح فيه مُعدوه أن العراق شهد “صفة رئيسة هي عدم الاستقرار السياسي” الذي سبب مزيداً من المشكلات السياسية نتيجة للتغيير الوزاري بعد تسنم طاهر يحيى الوزارة في 10 تموز 1967. ثم حدد التقرير حالة عدم الاستقرار السياسي في العراق على النحو الآتي: “إن نظام الرئيس عبد الرحمن عارف، مثل بقية الأنظمة التي أعقبت إسقاط الملكية في 14 تموز 1958، لم يكن قادراً على بناء الحياة البرلمانية وإنهاء المدة الانتقالية التي كانت تجدد من سنة الى أخرى، منذ ثورة تموز” وعليه فإن النظام استمر يحكم بطريقة التجربة والخطأ، وهي الصفة التي غلبت على الأنظمة السابقة. وشدد التقرير على فشل الرئيس عبد الرحمن عارف في إجراء انتخابات برلمانية في العراق، تحدد نوع الحكم، لينتخب فيما بعد رئيس للبلاد، ولا سيما بعد تسنم ناجي طالب رئاسة الوزارة التي رأت، يومها أن إجراء “الانتخابات العامة”، أمر ضعيف، بعد أن اتخذت الحكومة قراراً بتمديد المدة الانتقالية، وأفصح التقرير عن أن “المشكلات ازدادات”، تحديداً، بعد فشل النظام في إقناع الأحزاب والقوى السياسية العراقية بالاندماج في حكومة ترعاها جبهة وطنية، كانت الحاجة إليها ملحة من اجل رص الصف الوطني، إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل. ورأى التقرير كذلك أن “معظم جهود وزارة طاهر يحيى، قد استنزفت في مضاعفات حرب حزيران مع إسرائيل، وبقضايا النفط، فأنها لم يكن لديها الوقت الكافي للاهتمام بالقضايا الأخرى. على الرغم من أن يحيى جدد الوعود بشأن التحضير لانتخابات عامة حين تصاعدت حدة المعارضة لوزارته”، التي انقسمت الى نوعين، الأولى: “معارضة قوية”، سلمت مذكرات الى الرئيس عبد الرحمن عارف طالبت فيها “بالتوجهات الديمقراطية وإنهاء المدة الانتقالية” وأشار التقرير الى أن أحدى هذه المذكرات “جاءت من مجموعة من الدبلوماسيين برئاسة عبد الرحمن البزاز شخصياً”، كما اشار التقرير في الوقت نفسه الى بروز “انتقادات وجهت الى الحكومة بسبب مصادرتها حرية الصحافة”، في حين كانت المعارضة الثانية من “ضباط الجيش العراقي المتقاعدين”، وقدمت مذكرات من هؤلاء الى الرئيس عبد الرحمن عارف، منها مذكرة وزير الدفاع السابق عبد العزيز العقيلي. الذي شدد فيها على ضرورة إجراء تغييرات سياسية وعسكرية جذرية في العراق لكي يتمكن البلد من الوقوف أمام مضاعفات “نكبة حزيران”. أما الشخصية الأخرى، فهو اللواء عبد الغني الراوي، الذي أوضح في مذكرته أن “استقرار البلد يكمن ببناء الديمقراطية والحياة البرلمانية”، وفي الأحوال كافة، لم يرق للضباط وقادة الجيش المتنفذين في الحكم ما ورد في مذكرة البزاز التي قدمها الى الرئيس عارف بشأن “إعفاء القوات المسلحة العراقية من واجبات الأمن الداخلي”، فضلاً عن ذلك كان لها “رد فعل حاد” من جانب طاهر يحيى الذي قال بشأنها “أن أولئك الذين يطالبون بأن الجيش يجب أن لا يتدخل في الشؤون الداخلية انهزاميون وعملاء للامبريالية”. وشدد يحيى على ان الجيش سيستمر في حفظ الامن الداخلي العراقي، على الرغم من الاعتراضات التي أشارت إليها المذكرة. وتابع التقرير نفسه، جهود الحكومة العراقية من أجل إيجاد حل للقضية الكردية يرضي الطرفين. واتهم التقرير الحكومة العراقية بأنها “فشلت في بناء سلم حقيقي مع الكرد”، وانه على الرغم من محاولات طاهر يحيى الذي شكل لجاناً مشتركة لتنفيذ اتفاق 29 حزيران 1966، لكن هذه المحاولات “أجهضت فيها بعد”، ولم يصدر توضيح من الحكومة يحدد أسباب هذا الفشل، لكن الكرد “لاموا ضباط الجيش المتنفذين على هذا الفشل”، ولا سيما في تنفيذ “تشريع قانون حكومة محلية جديدة” تمنح الكرد حكماً ذاتياً في المناطق التي شكلوا فيها الأغلبية. لقد أدركت الولايات المتحدة الأمريكية أن تفاقم المشكلات في العراق، سيؤدي الى تدهور الأوضاع الداخلية فيه، وأن أحداثاً مهمة متوقعة ستحدث في المستقبل القريب. كما أشارت الى ذلك أحدى وثائقها الصادرة من السفارة الأمريكية في بيروت في 17 كانون الثاني 1968  إذ شهد العراق اضرابات طلابية في خلال المدة بين (كانون الأول 1967 – كانون الثاني 1968)، دفع بالحكومة العراقية الى الاستعانة بقوات الجيش للقضاء على هذه الاضطرابات على حد الوصف الدقيق للدكتور جعفر عباس حميدي. وكان من الطبيعي أن تصدر الحكومة العراقية بياناً توضح فيه تلك الأحداث في 15 كانون الثاني 1968، واتهمت فيه “القوى الرجعية والاستعمارية” بتحريض الطلاب على القيام بالاضرابات وتوعدت بفتح تحقيق دقيق وسريع، لمعرفة ملابسات الاضرابات. ونقلت السفارة الأمريكية في بيروت في برقيتها المؤرخة في 17 كانون الثاني 1968 الى وزارة الخارجية الأمريكية تلك التطورات من أحدى الصحف اللبنانية التي لم تكن على قدر يسير من الدقة والصواب عندما أشارت الى أن “طلاب جامعة بغداد نظموا مظاهرات عامة في شارع الرشيد”. في حين أن وقائع الاضرابات انحسرت في أسوار جامعة بغداد. حظيت الاضرابات المشار إليها، باهتمام السفارة الأمريكية في طهران أيضاً. إذ توارد لها من مصادرها الخاصة، أن “البعثيين أو الشيوعيين وراء الإضراب” المذكور، فقد أوضحت السفارة في برقيتها الصادرة يوم 18 كانون الثاني 1968، أن يعقوب خان “الموظف العراقي السابق” في السفارة الأمريكية في بغداد، قد أعلمها أن الاضرابات أدت الى “قتل ثلاثة طلاب بضمنهم فتاة”، وقد هتف الطلاب المتظاهرون “يا بغداد ثوري ثوري خلي عارف يلحق نوري”..

?>