حفريات جديدة في ذاكرة مجزرة قاعة الخلد تموز 1979
شامل عبد القادر
استناداً إلى مفهوم (القتل برصاص العشيرة) اثنان من أقرباء عبد الخالق السامرائي يطلقان عليه رصاص الإعدام
بسجنِ عبد الخالق أصبح الطريق امام صدام حسين سالكاً للسيطرة على مكتب الثقافة والاعلام، واهمية هذا المركز ليس لانه يمنح صدام حسين بعداً ثقافياً فحسب، بل لانه المؤسسة التي يستطيع صدام حسين من خلالها ان يكثف من نشاط مكتب العلاقات الذي صار يسمى المخابرات العامة ومن خلال المراكز الثقافية ومكاتب الصحف والمجلات وبجهود الصحفيين العرب الذين اقاموا ستاراً ممتازاً يحجب عن الرأي العام العربي والعالمي مشاهد القمع في الداخل، ويقدم بدلاً من ذلك صورة الفروسية العربية الأولى في الوقت الذي كان المسؤول الثقافي للحزب عبد الخالق السامرائي يقبع في زنزانته، لم يكن وقد سأل امه التي سمح لها برؤيته بعد ثلاث سنوات يعرف في اي شهر وفي اي عام هو؟. وقد انجز صدام حسين الكثير من الخطوات، فعقد المؤتمر القطري المنتظر كما اراده واختيرت قيادة من بين هؤلاء الذين شاركوا صدام في ازاحة عبد الخالق السامرائي، وكنت قد سألت احدهم عن أسباب ما حدث لعبد الخالق، فقال: وهو يسجل نقاطه ومأخذه عليه انه كان يتناول مع سائقه ساندويج الكباب في السيارة ويحرج القيادة باصراره على السكن في بيت لا يليق بعضو في مجلس قيادة الثورة!. وعندما سألته عن اي عيب في هذا؟ قال عضو القيادة القطرية: ان قادة الأحزاب الشيوعية يعيشون في قصور ضخمة، فلماذا يستكثر عبد الخالق على السيد النائب (صدام حسين) ان تكون له حياة لائقة به. ومضت ثلاث سنوات أخرى وعبد الخالق ما زال في زنزانته، وقد عرض في شريط فيديو فيلم لصدام حسين وهو يستمع إلى اعترافات أحد اعضاء القيادة القطرية الجديدة عن مؤامرة جديدة على صدام يقودها الرئيس حافظ الاسد وعدنان الحمداني ومحمد عايش وعبد الخالق السامرائي!. وهنا ينهض علي حسن المجيد ابن عم صدام حسين ليقول: ان الحزب وقيادته وسلطتنا لن يكتب لها الاستقرار والاستمرار مادام عبد الخالق حياً يرزق.. فيمد صدام اصبعه إلى شعرة شاربه ويقول: اخذه من هذا الشارب!. في ذلك الوقت كانت قلة من الحراس تدخل زنزانة عبد الخالق ومعها بدلة الإعدام الحمراء في الطريق إلى ساحة مجاورة للقصر الجمهوري، حيث نفذ فيه حكم الإعدام رمياً بالرصاص يوم 8/8/ 1979 وكان اثنان من اقربائه ينفذان إطلاق الرصاص عليه حسب قرار اتخذه صدام حسين والقيادة القطرية بتكليف اقرباء المحكوم بتنفيذ الحكم، فظهرت تجربة جديدة هي التي ندعوها، القتل برصاص العشيرة!. والمفارقة الأخيرة ان الأعضاء الخمسة الجدد في القيادة القطرية التي شاركت صدام في ابعاد عبد الخالق ومن ضمنهم صديقي الذي كان ينتقد عبد الخالق السامرائي هذا الذي يأكل الكباب مع السائق، قد اعدموا معه في ساحة واحدة وساعة واحدة!. اما صدام حسين فكان عند وعده الذي اعطاه لابن عمه في الاجتماع الحزبي، لقد اعدم عضو القيادتين القومية والقطرية بشعرة الشارب!!. كتب الفريق الركن نزار الخزرجي رئيس اركان الجيش العراقي السابق في مذكراته قائلا: ((في أحد أيام شتاء عام 1972 اتصل بي الرائد علي العبيدي وقال: «إن النائب يريدك غدًا، كن في المجلس الوطني صباحًا عند الساعة العاشرة». وصلت غرفة الرائد علي سكرتير النائب، وكانت كالعادة تغص بالمراجعين فنظر إلى ساعته وأدخلني فورًا فأديت التحية. ونهض صدام وصافحني وأشار إليّ بالجلوس على الكرسي أمام منضدته مباشرة ورحب بي، ثم قال: «رفيق نزار أعتقد أن انطباعك عن الاتحاد السوفياتي جيد ولدينا فكرة فتح قنصلية في مدينة وميناء باكو، حيث تشحن من هناك كما تعلم معظم مشترياتنا من الاتحاد السوفياتي. أريدك أن تذهب إلى موسكو، وتتذاكر مع الرفاق هناك في جدوى فتح القنصلية من عدمه، وتعود إلينا بما اتفقتم عليه». سافرت إلى موسكو والتقيت الملحقيْن العسكري والجوي، وفاضل البراك معاون الملحق العسكري والمسؤول الحزبي في الاتحاد السوفياتي، وطرحت عليهم ما حمّلني النائب، وكان رأي الجميع مع فتح قنصلية عراقية في مدينة باكو للأسباب والذرائع الموجبة التي ثُبِّتت في الكتاب الذي سأعود به إلى النائب. وبعد بضعة أيام أمضيتها في الراحة مع فاضل البراك عدت إلى بغداد، وسلمته الكتاب الذي أيّدنا فيه فتح القنصلية، فسألني عن حالي وإن كنت في حاجة لأي شيء؟ فأجبته شاكرًا وأني في أحسن حال. قال: «حسنًا، أُريدك أن تأتي لزيارتي كلما جئت في إجازة إلى بغداد»، فشكرته وخرجت، وفي ظني أنه يريدني أن أكون أحد رجاله. كان ارتباطي الحزبي بصفتي مسؤول التنظيم الحزبي للقوات الخاصّة، بقيادة مكتب كركوك العسكري الذي كانت تنظيماته تغطي الوحدات والتشكيلات العسكرية في محافظات كركوك والسليمانية وأربيل. وكان أمين سرّ تنظيم مكتب كركوك يُعيَّن من أحد أعضاء المكتب العسكري في بغداد، ولم يكن معظمهم يقيم في كركوك، فكانوا يحضرون اجتماع قيادة المكتب الأسبوعي، ويقومون بزيارة أحد التنظيمات المنتشرة في القاطع، ثم يعودون في اليوم التالي إلى بغداد. كان عضو المكتب العسكري كامل ياسين نائب ضابط سابقًا ومن أقارب صدام حسين، وأخوه أرشد ياسين كان مرافقًا لصدام ومتزوجًا إحدى شقيقاته، وأصبح عضو قيادة قطرية في ما بعد، ثم تولّى المسؤولية خليل العزاوي ضابط الاحتياط ومن خريجي كلية التجارة ومن أصدقاء الطفولة، فوالدي ووالده خريجا الدورة الثانية في الكلية العسكرية، وشغل والده منصب مدير الاستخبارات العسكرية ثم محافظ الكوت قبل إحالته على التقاعد. كذلك فارس حسين القرة غولي رائد ركن قوات خاصّة، كان متفرغًا للعمل الحزبي وصار مسؤول مكتب كركوك ثم عيِّن سفيرًا وسُجن في عام 1979 عند تولّي صدام حسين الرئاسة. ومن أعضاء المكتب المقدّم الركن حامد الدليمي الذي عيِّن سفيرًا ثم سُجن في عام 1979، ومات في السجن نتيجة تعذيبه، والرائد الركن دريد القدو (استشهد في الحرب العراقية – الإيرانية عندما كان يقود لواءه في القاطع الجنوبي)، والنقيب صالح الساعدي الذي كان متفرغًا حزبيًا ثم سُجن في عام 1979 ومات في السجن من التعذيب، وعلي حسن المجيد (كان علي حسن المجيد نائب عريف، سائق عجلة تزويد الطائرات بالوقود في قاعدة الحريّة الجوية (كركوك) قبل ثورة 17 تموز 1968. تفرّغ بعدها للعمل الحزبي، وهو ابن عم صدام حسين، ورجل المهمات الصعبة كما كان صدام يطلق عليه. أصبح عضوًا في القيادة القطرية للحزب، وعضو مجلس قيادة الثورة، ثم وزيرًا للدفاع بعد حرب 1991 مع قوات التحالف) الذي كان مسؤولًا عن تنظيمات ضباط الصف في مكتب كركوك العسكري، وأدين مع العديد من ضباط التنظيمات بتهم الفساد والرشوة من لجنة تحقيق حزبية برئاسة خليل العزاوي، ومع ذلك نُقل إلى دائرة المكتب العسكري في بغداد بوظيفة إدارية، أما أصحابه فحكم عليهم بالسجن لمدد متفاوتة وطردوا من الحزب.. كتب الفريق الاول الركن نزار عبدالكريم الخزرجي رئيس اركان الجيش العراقي الاسبق انطباعاته عن الزيارة الاولى لصدام حسين الى موسكو عام 1971 قائلا: ((في شتاء 1971 قام صدام حسين بأول زيارة إلى بلد أجنبي، إذ وصل على رأس وفد حزبي وحكومي كبير إلى الاتحاد السوفياتي، وكان في استقباله والوفد المرافق كوسيغين رئيس الوزراء والعديد من أعضاء القيادة السوفياتية. هبطت الطائرة في مطار موسكو، نزل صدام حسين يتبعه عبد الخالق السامرائيّ عضو القيادة القومية للحزب، وعبد الكريم الشيخلي عضو القيادة ووزير الخارجية، ومحمد فاضل وسعدون شاكر.. كان صدام أنيقًا وأكثر ما يسترعي النظر فيه عيناه الواسعتان ونظراته النفاذة والثقة العالية بالنفس التي يُعبِّر عنها بمشيته وحركاته.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة