الخميس , أكتوبر 8 2026
أخبار عاجلة
?>

عاد تشرين 

د. سعدي الابراهيم

   يجيء تشرينُ دائماً على موعده الدقيق، لا يتقدم خطوةً ولا يلتفت أبداً للوراء. شهرٌ يتقن رسم حُدوده في تقويم العمر، لكنه في كل عام يطرق أبوابنا بحكاياتٍ طازجة ومواقف جديدة؛ طالبٌ يخطو ببهجةٍ إلى صفٍّ أعلى، ثورةٌ تشتعل جمرتها الخالدة في ذاكرة الشعوب، ورحيلُ إنسانٍ عزيز علينا يتزامن مع ولادة أملٍ جديد يملأ الدنيا بالدفء.

أما السماء فتبدأ بترتيب أوراقها وأوضاعها استعداداً لاستقبال المطر وشغف الغيث. تنادي أمُّ الغيم على بناتها الصغيرات بصوتٍ حنون: “استيقظن من السبات العميق، املأن بطونكن بالماء الهنيء، واتهيأن للعمل الممتع”. وفي الحقول المترامية، يتسلل الشغف إلى سواعد الفلاحين وهم يفرزون بذور الحنطة والشعير، يدهنون سكاكين المحاريث بلهفة، بينما يستعد رحمُ الأرض المعطاءة بكل حبٍّ لاحتضان جنين الربيع القادم.

ولا تخلو ذكريات تشرين من وجعٍ ناعم ودفءٍ غريب؛ كونها السجلَّ الحيَّ لأيام طفولتنا البعيدة. قبل أربعين خريفاً، كنا نودّع متعة النوم فوق السطوح لنلوذ بأحضان البيت الطيني الشديد الأنس، ونبعثر محتويات مخزن الملابس القديمة بلهفةٍ طفولية، بحثاً عن هندام الشتاء المنسي بين الطيات.

وأخيراً، يجيء تشرين ليربطنا بذكرى استقلال العراق، لنبتسم بفخرٍ وعنفوان في سرّنا؛ فالعراقُ أعمقُ وأعرقُ في جذور التاريخ من أن تُعرّفه أوراقٌ رسمية أو معاهدات، فقد كان قائماً وموجوداً بمهابته وحضارته العريقة قبل أن تبصر بقيةُ دولِ وأممِ العالمِ أجمع نور الحياة الأبدي!

اترك تعليقاً

?>