د. سعدي الابراهيم
أيلول… الشهر الذي يتقن دائماً لعبة إيقاظ المشاعر الخاملة. يحلّ علينا دون استئذان ليقلب صفحة وفصلاً كاملاً من حياتنا؛ جاء أيلول وجاءت معه المدارس والجامعات، لتعود الحياة إلى الشوارع الناعسة، وتستعيد المقاعد الدراسية دفء الطلاب وحيوية الخطوات المسرعة مع كل صباح.
لكن أيلول في حقيقته أكثر من مجرد محطة في التقويم الدراسي؛ إنه يقف بشموخ وكأنه منطقة محايدة بين الجنة والنار. يمتد كجسر متوازن بين نار الصيف بجهدها ولهيبها الشديد، وبين زمهرير الشتاء المقبل ببرده وقسوته. في هواء أيلول نسمة اعتدال ساحرة، وهدوء يسبق العواصف، واستراحة محارب يستريح فيها الجسد والنفس بعد عناء القيظ.
ورغم هذا الاعتدال الظاهري، تبقى المشكلة الكبرى في أيلول هي الذكريات. يحمل هذا الشهر خاصية عجيبة في تحريك الركام الوجداني؛ فعندما تلتف النسمات الأولى حولنا، يتسلل صوت الطفولة من طيات الأيام القديمة، وتبدأ تلك الرائحة تنادينا—رائحة الورق الجديد، وتراب المطر الأول، وصباحات الأمهات الباكرة—ليختلط كل ذلك مع صوت الشباب بأحلامه، وعثراته، وأشواقه التي لم تكتمل بعد.
إن أيلول هو خريف العمر بالنسبة للأعوام، حين تبدأ السنة بتعرية أوراقها والاستعداد لرحيلها الهادئ. ولكنه في الوقت نفسه مرآة تعكس خريف حياتنا أيضاً؛ يذكرنا بمرور الوقت السريع، وبأن كل ورقة تسقط من شجره هي جزء من سنواتنا يتساقط ببطء ولطف. إنه شهر التأمل والنضج، الشهر الذي يجمع بين بهجة البدايات الحثيثة وحزن الحنين الناعم..
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة