د. سعدي الابراهيم
على أعتاب الشتاء القادم، ثمة هواء مختلف يطرق النوافذ والأزقة. لم تأتِ المدرسة بعد، لكن رائحتها تملأ الشوارع؛ رائحة الدفاتر الجديدة، وغلاف الكتب البلاستيكي، والحقائب المعروضة على رفوف المتاجر. يستشعر الصغار هذه النسمات بكثير من التوجس، فالأطفال يعرفون أن عطلتهم الصيفية قاربت على الانتهاء، ويشعرون بمرارة خفيفة لأن أيام السهر واللعب المطلق بدأت تلملم أوراقها. وهم في هذه السن الصغيرة، لا يعرفون قيمة المدرسة ولا أهميتها؛ يرونها مجرد قيود واستيقاظ مبكر وواجبات منزلية، تماماً كما كنا نراها جميعاً ونحن في أعمارهم.لكن، حين تدور بنا الأيام ونلتحق بعالم الكبار، تتكشف لنا الحقيقة الساطعة التي غفلت عنها طفولتنا. فعلاً كما كانت المعلمة تقول: المدرسة هي بيتنا الثاني.لم تكن تلك العبارات مجرد شعارات إنشائية نرددها في حصص التعبير، بل كانت واقعاً حنوناً احتضن أيامنا؛ فـالمعلمة أمنا، والمعلم الأب، والتلاميذ الإخوان، والجدران البيت الممتلئ بالضحكات والشقاوة والأسرار الصغيرة. لقد كانت المدرسة بحق وطناً ثانياً يجمعنا تحت سقفه الآمن دون أن يطالبنا بضرائب النضج ومصاعب الحياة. كم نشتاق اليوم لتلك المقاعد الخشبية! ليتنا نعود إليها بلا مسؤولية، ولا تفكير عبثي، ولا خوف من اليوم والغد. نعود فقط لنحمل حقيبة خفيفة على أكتافنا، ويكون أكبر همومنا تعثر في إجابة أو لعبة لم نكتمل منها في استراحة الظهيرة. ليت العمر يعود ولو لأيام، لنلتقط أنفاسنا في ذلك الصف الصغير ونستمع لصوت الطبشور وهو يلامس السبورة دون أن نحمل هموم العيش على كواهلنا.ولكن، يظل الواقع أصدق وأقسى من كل الأماني؛ فالمدرسة مثل عش الطير، الأفراخ إذا غادرته لا تعود. نكبر، ونطير بعيداً في سماء الحياة الرحبة والمجهدة، محلقين بين الالتزامات والضغوط، وتبقى الذكريات هي الخيط الوحيد الذي يربطنا بذلك العش الدافئ الذي علمنا كيف نفرد أجنحتنا للمرة الأولى.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة