د. سعدي إبراهيم
خلسةً وبيدٍ خفية، بعيدًا عن أعين الجميع، تمكنت فأرة صغيرة من التسلل إلى داخل الدار، دون أن تترك خلفها أي أثر يُذكر. نجح هذا المخلوق الصغير في تجاوز كل الحواجز والتحصينات المنزلية، والتفلّت بدهاء كبير من نقاط التفتيش والسيطرات المشددة التي تقيمها القطط عادةً عند الأبواب والمنافذ. يبدو الأمر وكأنها ارتدت قناع فراشة ساحرة، أو لبست زي دجاجة وديعة، لتمر بسلاسة وتخترق أعتى خطوط الدفاع دون أن تثير الشكوك.
لم يكن هذا الاقتحام مجرد سعي عابر لجمع الطعام، بل بدا وكأنه ينطلق من منطق خاص وقناعة راسخة. فربما تحدثت الفأرة إلى نفسها وقالت بثقة: «أنا حيوان كبقية الكائنات، ومن حقي الكامل أن أجد لي مكانًا أعيش فيه إلى جوار الإنسان». هذا الشعور بالحق الفطري جعلها تتعامل مع أرجاء البيت وكأنها جزء لا يتجزأ من مساحتها الخاصة.
أمام هذا الضيف الاستثنائي، استنفر أهل الدار جميع وسائل الحماية والتخلص من المزعجين؛ فنثروا السموم القاتلة في كل زاوية وركن، ونصبوا المكايد والمصائد والأفخاخ الذكية في كل الممرات التي قد تسلكها. لكن كل هذه المحاولات ذهبت أدراج الرياح دون تحقيق أي نتيجة؛ إذ أظهرت الفأرة ذكاءً ميدانيًا ومهارة فائقة في تفادي الخطر والتملص من كل فخ يوضع في طريقها.
وفي المساء، حين يهدأ البيت وتخفت الأصوات، يبدأ المشهد الأكثر إثارة؛ حيث تُسمع همهمات خفيفة تنبعث من الشقوق والزوايا المظلمة. إنها الفأرة وهي تتساءل بنبرة هادئة ومستنكِرة: «هذا بيتي، فلماذا لا يغادره الإنسان ويرحل؟ فهذه أرض الله الواسعة، والجميع يملك حق البقاء فيها. كلنا شركاء في الكوكب».
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة