الخميس , أكتوبر 8 2026
أخبار عاجلة
?>
الرئيسية / اراء وتحليلات / تشرين من جديد

تشرين من جديد

د. سعدي الابراهيم

عادت ثورة تشرين من جديد لتتصدر المشهد العراقي وتعتلي قائمة الأكثر تداولاً في منصات التواصل وأحاديث الشارع، وكأنها ترفض الغياب عن الذاكرة الوطنية وتصر على الحضور في كل مفصل سياسي واجتماعي. هذا الصعود المتجدد ليس مجرد حدث عابر أو موجة مؤقتة في عالم الإنترنت، بل هو تأكيد صريح وواضح على أن أثر هذه الثورة العظيمة أعمق بكثير من أن يُمحى بمضي الأيام أو يطويه النسيان. إن انعكاسات تشرين في وجدان المجتمع العراقي ما زالت مستمرة ومتدفقة، ولن تتوقف عند حدود زمانية أو مكانية، لأنها لم تكن مجرد حركة احتجاجية بسيطة، بل كانت لحظة فارقة أوقدت وعياً شعبياً جديداً كسر حاجز الخوف وأسس لمرحلة لا تراجع فيها.

ستبقى تشرين، بكل ما حملته من بطولات ملهمة وآلام جِسام، مرجعاً وطنياً وأخلاقياً لكل الأحرار والوطنيين الذين ينشدون الإصلاح الحقيقي ويطمحون إلى بناء دولة المواطنة والكرامة والعدالة. لقد زرعت هذه الانتفاضة الشعبية في نفوس العراقيين، وخصوصاً الشريحة الشبابية، إيماناً ثابتاً بأن التغيير ليس مستحيلاً، وأن صوت الشعب وإن حُصر أو حُورب، يظل هو القوة الأبقى. ومن هذا الإيمان ينبع يقين راسخ بأن اليوم الذي تُستعاد فيه جميع حقوق الشهداء والجرحى كاملة غير منقوصة سيجيء حتماً.

إن اليوم الذي يُنصف فيه هؤلاء الأبطال قادم لا محالة، وستشهد ساحات العراق ومدنه يوماً تُبنى فيه النصب وتُقام التماثيل في كبريات الميادين والساحات العامة، لتخلد أسماءهم العاطرة وتروي للأجيال قصص شجاعتهم وصمودهم بوجه الظلم والفساد. وفي ذلك اليوم المأمول، ستُضمن حقوق عوائلهم كاملة بعيش كريم ورعاية تامة تليق بالتضحيات الباهظة التي قدموها للوطن. ولن يقتصر الوفاء عند الجانب المعنوي فقط، بل سيمتد ليكون واجباً قانونياً وأخلاقياً؛ فيُفضل إخوتهم وذويهم على غيرهم في التعيينات الحكومية وفرص العمل وتوزيع قطع الأراضي، كجزء بسيط من رد الجميل لهذه الأسر التي قدمت أغلى ما تملك من أجل رفعة بلادها وتغيير واقعها.

إن السُنّة التاريخية وتجارب الأدمغة الحرة عبر العصور تؤكد دائماً أن الدماء لا تصبح ماءً، وأن أصحاب القضايا العادلة الذين بذلوا أرواحهم في سبيل أوطانهم يستحيل أن يطويهم الغياب. فالشهداء لا يموتون في وجدان أمتهم، بل يتحولون إلى منارات خالدة تُضيء عتمة الطريق، وتبعث الأمل في النفوس، وتُرسم عبرها خطى الحرية والكرامة لكل الأجيال القادمة التي ستفخر يوماً بأنها تنتمي لأرض أنجبت هؤلاء الأبطال.

?>