د. سعدي الابراهيم
يبدو أن التاريخ ينظر إلينا بسخرية ويتكرر بحذافيره في منطقتنا، لينطبق علينا المثل الشعبي الشهير “نفس الطاسة ونفس الحمام”. المشاهد هي ذاتها، والأسلوب لم يتغير، وكأن أحداً لم يتعلم من دروس الماضي المأساوية. تسير إيران اليوم بخطى حثيثة على نفس الطريق الذي مشى فيه العراق قبل عقود، دخلت في مواجهة وتناطُح مفتوح مع الولايات المتحدة الأمريكية، دون قراءة حقيقية لتبعات هذا الصراع على مستقبل بلدها وشعبها.
على المنصات الرسمية، تستمر طهران في رفع الشعارات الرنانة وخطابات الوعيد، بينما الحقيقة الميدانية تزداد قسوة يوماً بعد يوم؛ الحصار يخنق الاقتصاد الإيراني من كل جانب، والعملة تتهاوى، والمواطن البسيط يئن تحت وطأة الغلاء والفقر. إن التغاضي عن هذه الحقيقة هو قمة الخطأ، فـ العقوبات الاقتصادية أشد خطراً من الصواريخ. الصواريخ قد تهدم مبنى وتوقظ الشارع، أما العقوبات فهي تسوس العظام ببوتقة بطيئة، تفتت المجتمعات من الداخل، وتفرغ الدولة من قواها الحقيقية دون الحاجة لإطلاق رصاصة واحدة .التكتيك الأمريكي لم يتغير عبر الزمن؛ فواشنطن لا تدخل حروباً مجهدة ضد أخصام في ذروة قوتهم، بل تعتمد استراتيجية إنهاك النفس الطويل. تنتظر الضحية حتى تضعف وتصاب بالهزال الشديد تحت ضغط الأزمات المعيشية والانسداد الاقتصادي، وعندما تتيقن من تآكل الجبهة الداخلية وفقدان المقدرة على الصمود، تنقض عليها وتفترسها بسهولة، تماماً كما جرى مع العراق بعد سنوات الحصار المنهكة التي سبقت سقوط عام 2003. إن العناد السياسي المترافِق مع إهمال حياة الناس اليومية ليس شجاعة، بل هو سحب للبلاد نحو الهاوية. ياليت حكام طهران يفعلون شيئاً ينقذ شعبهم ودولتهم قبل فوات الأوان، فالشعارات لا تُشبع جائعاً ولا تبني اقتصاداً، والتاريخ لا يرحم من يمر على دروسه دون أن يتعلم منها.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة