د. سعدي الابراهيم
قد يبدو الطعام في ظاهره وسيلة لسد حاجة الجسد إلى الغذاء، لكنه في واقع حياتنا يؤدي أدواراً أعمق بكثير من ذلك. فالطعام ليس مجرد ما يملأ المعدة، بل لغة اجتماعية وإنسانية تحمل معاني الفرح والحزن والمحبة والتقارب بين الناس. فعندما يولد طفل جديد، يسارع أهله إلى إقامة وليمة أو ذبح العقيقة احتفالاً بقدومه إلى الحياة. وعندما يرحل شخص عن الدنيا، يجتمع الناس في مجالس العزاء حيث يُقدَّم الطعام تعبيراً عن التضامن والمواساة. وبين الميلاد والموت يرافق الطعام مختلف محطات الإنسان. ومن يعود من الحج يحمل معه الحلوى والهدايا ليشارك الآخرين فرحته، بينما يحتفل الناجح بإنجازه من خلال دعوة أصدقائه إلى مطعم أو مأدبة. وحتى في لحظات الحزن والغضب، كثيراً ما نحاول مصالحة شخص أو التخفيف عنه بتقديم الطعام له. ولم يكن الطعام بعيداً عن السياسة والعلاقات العامة؛ فكثير من الخصومات والمفاوضات جرت حول موائد الطعام، حيث تذوب الحواجز وتصبح لغة الحوار أكثر هدوءاً. كما ارتبطت بعض مظاهر الفن والطرب عبر التاريخ بمجالس الشراب والطعام التي أطلقت الإبداع والأغاني.أما في الجانب الديني، فقد ارتبط فعل الخير بإطعام المحتاجين والصدقة على الفقراء، حتى أصبح الطعام رمزاً للعطاء والرحمة. لذلك يمكن القول إن الطعام عند الإنسان ليس مجرد حاجة بيولوجية، بل جسر يصل بين الأرواح قبل أن يصل إلى البطون.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة