د. سعدي الابراهيم
تحت سماء هذا الكون الشاسع، تسير الحياة اليومية وفق سنن كونية صارمة وصامتة، أُعدت هندستها سلفاً بدقة متناهية لا تقبل الخطأ. وفي ظل هذا الإيقاع الجبار، يبدو أحياناً أن كل ما نقوم به من أعمال مضنية، أو استعدادات لغدٍ غامض، أو حتى ما ننشره من وعي وأفكار ونظريات، ليس سوى نوع من الترف الإنساني الفائض عن الحاجة، أو مجرد رتوش زائدة على لوحة مرسومة ومكتملة مسبقاً.
هذه الدنيا تشبه في جوهرها كائناً حياً عملاقاً، يمتلك وعيه الخاص الذاتي، ويعرف تماماً كيف يدبر شؤونه، وكيف يجدد خلاياه لضمان استمراره في الوجود، دون أن يلتفت أصلاً لوجودنا كبشر، أو يكترث بضجيجنا فوق سطحه. هل جلست يوماً مع نفسك وسألتها بذهول: كيف تعيش تلك الشعوب المليونية الضخمة مثل الصين؟ كيف تتدفق لها المياه وتكفيها المحاصيل الغذائية يومياً دون مجاعات ساحقة؟ الجواب البسيط والصادم: نعم، إنها الدنيا التي تدبر الأمر من وراء الكواليس بآلياتها العميقة.
تأمل معي كيف يتفجر النفط من أعماق الأرض ليوفر للبشرية المال والطاقة، وكيف تتدفق الأنهار في مجاريها آلاف السنين دون أن تجف، وكيف تتعاقب الفصول الأربعة بانتظام دقيق. كل هذه التفاصيل المدهشة المترابطة لا يمكن أن تكون وليدة عشوائية أو صدفة عابرة؛ بل هي شواهد حية تؤكد لنا، وبما لا يدع مجالاً للشك، أن هناك قوة خفية عظيمة، بيدها وحدها “ريموت” السيطرة الكاملة على مجريات الأحداث، تدير هذا الوجود بحكمة بالغة تجعل من مخاوفنا وتدبيرنا البشري مجرد حركات صغيرة في مسرح كوني هائل.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة