شامل عبد القادر
كان يومًا شتائيًا باردًا، والغيوم تتجمع بسرعة في سماء بغداد.. والناس على عادتهم نهار الجمعة في شهر رمضان لا يفيقون من نومهم إلا في ساعات متأخرة. كان الزعيم الفريق الركن عبد الكريم قاسم في نهار الجمعة ٨ شباط من عام ١٩٦٣ الموافق اليوم الرابع عشر من رمضان ما زال في بيته المستأجر من أملاك اليهود المسفرين مقابل عشرين دينارًا في الشهر. كان الرجل صائمًا كعادته منذ ثلاثين عامًا. قضى الزعيم ليلة الجمعة في بيت العقيد المتقاعد يحيى الجدة في الأعظمية، تناولا السحور ثم غادر الزعيم إلى بيته. كان الانقلابيين قد التحقوا وتجمعوا في كتيبة الدبابات الرابعة في معسكر أبي غريب. وذهب عدنان القصاب عضو فرع بغداد لحزب البعث مع عبد السلام عارف بالملابس المدنية من بيته إلى الكتيبة. كان العقيد أحمد حسن البكر عضو المكتب العسكري هو الذي يتولى تنظيم وقيادة الانقلاب بعد أن تم اعتقال علي صالح السعدي وصالح مهدي عماش قبل ليلة الانقلاب بيوم واحد. تحركت دبابات الكتيبة بعد إعلان الإشارة المتفق عليها، وهي ظهور طائرة الهوكر هنتر التي يقودها النقيب منذر الونداوي في سماء بغداد في الساعة التاسعة صباحًا قادمة من قاعدة الحبانية. كان ضابط الخفر في بيت الزعيم هو المقدم الركن حافظ علوان. أُذيع البيان رقم واحد للانقلابيين في الساعة التاسعة بصوت حازم جواد من مرسلات أبي غريب. نهض الزعيم وحلق ذقنه واغتسل ثم ارتدى ملابسه العسكرية وغادر البيت يرافقه رجال حمايته متوجهًا إلى وزارة الدفاع.في منطقة باب المعظم تجمع المواطنون المؤيدون للزعيم وأصدر سلام عادل بيانًا لقتال الانقلابيين.كانت خطة الانقلابيين حسب ساعة الصفر توجه فريق من البعثيين المدنيين بقيادة سعدون شاكر لقتل جلال الأوقاتي قائد القوة الجوية، وبالفعل قتلوه أمام باب دكان اعتاد الأوقاتي أن يشتري فطور عائلته الصباحي منه.التحق العميد فاضل عباس المهداوي بالزعيم في وزارة الدفاع برغم البرود في العلاقة بينهما، وفي آخر لقاء بينهما حذر المهداوي الزعيم من مغبة تصرفه الأخير عندما أسند قيادة الدبابات لضباط بعثيين!!بعيدًا عن التفاصيل الدقيقة التي كتبتها ونشرتها في كتابي (الاغتيال بالدبابة) والذي طبع مرتين.. أقول انتهى القتال والصراع بين الانقلابيين والزعيم بقرار تسفيره إلى تركيا أو النمسا ومعه جماعته المهداوي وقاسم الجنابي وطه الشيخ أحمد وكنعان حداد، لكن البعثيين حال وصول الزعيم وجماعته إلى دار الإذاعة قرروا بعد ثرثرة بسيطة تنفيذ أحكام الإعدام بهم في قاعة الموسيقى أو قاعة بغداد..كان الزعيم يعرف شخصيًا بوقوع انقلاب عسكري ضده وأمر باعتقال الرؤوس من أمثال علي صالح السعدي وعماش ومداهمة الوكر الحزبي في العطيفية. جند الحزب الشيوعي جهازه الحزبي لقتال الانقلابيين، وجرت معارك في الكاظمية وحي الأكراد في مدينة الثورة وفي بعقوبة أيضًا. استمرت المقاومة ضد الانقلاب لأكثر من أسبوع في جيوب مختلفة من بغداد والعراق، لكن الانقلاب نجح أخيرًا..
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة