الجمعة , يونيو 19 2026
?>
الرئيسية / اراء وتحليلات / د.سعدي الابراهيم: الاكثرية الناقمة

د.سعدي الابراهيم: الاكثرية الناقمة

الاصل في الانسان انه يسعى في الارض من اجل اعمارها، بالعمل الصالح ، وعندما يعجز عن فعل ذلك، فعليه ان يصبر وينتظر الفرصة المناسبة للانطلاق الى الحياة من جديد .لكن الذي يحدث عند بعض الشعوب يخالف الفطرة اعلاه، حيث ان الكثير من الناس ينخرطون بالعمل، ويسعون بقوة من اجل تقديم شيء، وعلى العكس منهم توجد فئة لا يهمها الا النقد والتجريح وكشف العيوب والاكتفاء بالمراقبة .ولعل بلادنا من بين البلدان التي تعاني من هذه الافة، فكلما برز شخص او مؤسسة وحاول ان يقدم شيئا ما للمجتمع قل كثر، نراه يتعرض للهجوم الكاسح وبكل الوسائل، هذا يقلل من شأنه وذاك يشكك في وطنيته و ولائه للعراق، واخرون ينسبون اعماله الى غيره .ونستطيع ان نجزم بأن الذين يكتفون بالنقد والتجريح هم الاغلبية وان الذين يسعون للتغيير هم الاقلية .امام هذه الحقيقية نجد بان الاكثرية قد تحولت الى عائق امام التغيير، فلا هي التي قامت بالتصفيق والتشجيع والحث و لا هي التي شاركت بالعمل وبذلت ما تستطيع من جهود ولا هي التي اكتفت بالصمت وتركت المبدعين والمتفانين يواصلون السعي . بل على العكس من كل ذلك سرعان ما يتحول نقدها الى افكار لليأس وتقليل المعنويات واخبات الهمم العالية .والمشكلة الاكبر اننا لا نجد نقدا يساهم في تحسين العمل وتطويره، بل هو نقد عشوائي في اغلب نواحيه، الناس تنتقد كل شيء : الصالح والطالح الحسن والفاسد . الامر الذي ضيع على الفئة العاملة فرصة الكشف عن عيوبها واخطائها وجعلها في الكثير من الاحيان لا تلتفت الى ما يطرحه النقاد ، وتعتبره غير حقيقي جملة وتفصيلا .ان تفسير المعادلة اعلاه، فئة تعمل وفئة تنتقد يحتاج ان نرجع الى تاريخ العراق المعاصر، حيث كان الناس في مرحلة ما قبل 2003، محرمون من فرصة ابداء ارائهم في الاوضاع العامة لبلادهم، وبالتالي صمتوا بالقوة ولفترات طويلة ، اما بعد العام نفسه فقد زالت كل مبررات الصمت وازيحت كل الكوابح التي تمنعهم من الكلام، وبالتالي جاء وقت التفريغ وقت التعويض عن الكبت الطويل ، من خلال الانتقاد ومناقشة وتفسير كل شيء .ومما ساعد على ذلك هوة اجواء الديمقراطية التي يعيشها العراق، حيث فُتح الباب على مصراعيه امام كل الناس لكي يعبروا عن ما يدور في خلجات انفسهم تجاه الدولة والمجتمع . ولا ننسى ان ادوات التعبير عن النقد متوفرة اليوم وبكثرة وبسهولة، ويأتي في مقدمتها وسائل التواصل الاجتماعي التي حولت المواطن الى صحفي والى محلل والى ناقل للأخبار والى ناقد ومراقب .لكن لعل هذه الظاهرة تنتهي في المستقبل ، فكما قلنا هي نتيجة للصيرورة التاريخية وللتغيرات الجذرية المفاجئة.

?>