للمتابع للأحداث فان روسيا العُظمَىَ صاحبة أعتى جيش في أوروبا، القوَّة النووية القاهرة، “تقهقرت” في كييف وأنكفئَت بسبب المقاومة الأوكرانية الشرسة لها برغم كثافة وقوَّة النيران التي أطلقها جيشها في أرض المعركة! الأمر فرضَ تساؤلاتٍ كبيرة لَدَى الخُبراء العسكريين والمراقبين الدوليين، وتفاجئوا لدرجة الصدمة من هَول المقاومة الأوكرانية والعجز الذي وقَع بهِ الجيش الروسي، الأمر دونهُ أخطاء جسيمه ارتكبتها القيادة العسكرية الروسية من حيث ترتيب الأولويات العسكرية والجغرافيا والتوقيت، واحد من الأخطاء أن موسكو استعجلت الحسم العسكري، فأختارت كييف هدفاً رئيس لقوَّاتها ظِنَّاً منها أنها تستطيع أن تُخضِع القيادة الأوكرانية إذا ما حاصرتها وضَيَّقَت الخناق عليها، وتركت الجهة الغربية المحاذية لبولندا ورومانيا مفتوحةً على مصراعيها، فشكَّلَت بوابَة عبور للمساعدات العسكرية الغربية والمقاتلين الأجانب والإرهابيين التي أرسلتهم تركيا التي تتلقاهم كييف بكل أريَحِيَّة. أصبحَ التركيز الروسي على العاصمة الإدارية لأوكرانيا أكبر من اللازم، وابتعدت عن مناطق أكثر خطورة وحساسية، تعتبرها كييف شريان حياة لها سمَح بدخول المساعدات العسكرية والمقاتلين الأجانب ومنهم داعش وجبهة النُصرَة المتمرسين في حرب العصابات والشوارع واللتان يدعوان للجهاد ضد القوات الروسية (الغازية) حسب تعبيرهم. فالجيش الروسي إصطَدَمَ بمقاومة عسكرية شرسة في شوارع العاصمة الأوكرانية، فهو تَهَيَّبَ إدخال جنوده في معارك قريبة على مسافة صفر يدور رَحاها من مبنىَ إلى آخر ومن غرفة إلى غرفة، وأكتفى بإطلاق النيران الكثيفة على المباني التي يتحصن بداخلها المقاتلون، وبعد ذلك تتقدم القوات الروسية فيخرج إليهم المدافعون عن المدينة ليخوضوا معهم معارك طاحنة كانت تنتهي بإنزال خسائر كبيرة بصفوف الجنود غير المدربين على هكذا نوع من الحروب الصعبة. لَعِبَت في هذه المعركة العناصر الإرهابية التكفيرية دوراً رئيسياً حاسماً أخَّرَ عملية سقوط العاصمة والحسم، ودفَع بالجيش الروسي إلى الانكفاء بسبب ضخامة الخسائر البشرية والمادية التي تكبدها برغم إعلان موسكو أن إنكفائها كانَ تكتيكياً وبموجب خطة عمل عسكرية، فكان القرار بالتوجه نحو الشرق لإصلاح الخَلَل الذي وقعت به القيادة الروسية غير المتنبهةَ لنقاط القوة لدى الجيش الأوكراني، وذلك برغم تجربة الجيش الروسي في حرب الشيشان التي تعتبر الأصعب والأشرس في العالم، فقررت موسكو الاكتفاء بتحرير أراضي الدونباس بعد تدمير ٩٠٪ من القوة الجوية الأوكرانية وسلاح البحرية، وبعدما أصبحت كييف عاجزة عن تشكيل خطر استراتيجي على الأمن القومي الروسي، ولكن ذلك لا يستبعد دخول الجيش الروسي مدناً أخرى إذا ما لزِم الأمر. في الخُلاصة ثبتَ لدىَ كافة قيادات الجيوش العالمية أن مَن يحسم المعركة على الأرض هو المقاتل الشَرِس المُدَرَّب صاحب الإيمان بعدالة قضيته وصاحب العقيدة القتالية، وتجربة روسيا في أوكرانيا كانت مختلفة عن الشيشان ففي غروزني تم تدمير البشر والحجر لأنهم مسلمون واستخدمت روسيا أقصى قوتها النارية حتى أصبحت العاصمة الشيشانية أرض سهمدان من بابها لمحرابها فانتصرت. أما في أوكرانيا هيَ صرَّحَت أنها تتجَنَّب سقوط مدنيين أو تدمير معالم المدينة لأن لهم أم تبكيهم وتطالب بهم.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة