العلوم لم تولد مع ولادة الانسان، او هي لم تكن رفيقته منذ البداية، بل انه اكتشفها في مراحل لاحقة وطورها بحسب حاجته، وبالتالي يستطيع ان يجيء بغيرها او يطورها اكثر كلما تولدت لديه الرغبة والارادة بفعل ذلك. لا يمكننا أن نعتمد على العلوم التقليدية في فهم وتفسير سلوكيات الانسان في هذا العصر، فالعلوم تبقى وليدة الزمان ولربما المكان الذي نشـأت فيه، ما لم يتم زيادة فعاليتها وتطويرها وجعلها مرنة لكي تستوعب كل المتغيرات. ومن اهم العلوم التي تحتاج الى الغليان المتواتر والمستمر هو علم النفس، فالمسلمات القديمة، التي جاءت بها مدرسة فرويد وغيرها، لم تعد قادرة على مواكبة التطورات في وقتنا الحاضر. وتحتاج البشرية الى علوم نفسية جديدة وتنظير مستحدث من أجل المواكبة ، والا لعجزنا عن ان نفهم ونفسر ما يدور في خلجات انفسنا وما ينعكس منها على سلوكياتنا وحياتنا العامة. ولعل الحدث الابرز الذي عصف بالبشرية منذ عقدين من الزمان، إنما يتمثل بالانترنيت، فهذا الاختراع قد قلب حياتنا راسا على عقب، وأثر بشكل كبير جدا على نفسياتنا، وبالتالي نحتاج الى علم نفس خاص بهذا الجانب، أو على الأقل ان يخرج من علم النفس التقليدي فرع جديد يتعلق بالانترنيت وآثاره النفسية وانعكاساته. وهذا العلم لكي يصبح مفيدا، لا بد أن يأخذ بعين الاعتبار الأمور الآتية:
١/ ان يعترف بأن الانترنيت يمثل ثورة غيرت نفسية الانسان بشكل جذري وهذا التغيير لم تستثنى منه ولا منطقة في العالم. وانه يمثل بيئة مختلفة تماما عن البيئة التقليدية التي كانت تُكسب الشخصية الإنسانية السمات العامة التي تتميز بها.
٢/ لكي يصبح العلم قابلا للتطبيق العالمي، يجب ان تجرى التجارب على عينات من مختلف دول العالم، أو بالأحرى على أشخاص يعيشون في مواقع جغرافية متعددة ، من أجل رصد وتحديد نوع التأثيرات التي يشعرون بها من جراء الانترنيت، ومن خلال الملاحظات يتم استنباط النتائج و وضع القواعد القابلة للدراسة والتطبيق، والبناء عليها وتطوريها من أجل القياس.
٣/ الفرق بين علم النفس الاعتيادي وعلم نفس الانترنيت، ان الاخير لا يمكن إجراء تجاربه الا على الانسان، على العكس من علم النفس التقليدي، الذي يجيز تطوير التجارب التي تجرى على الحيوانات لصالح البشر. واذا افترضنا قبول الطرح اعلاه ، والمضي نحو تأسيس علم نفس الانترنيت ، فأن هذه العملية ستمثل فرصة لكل سكان البشرية من اجل المساهمة الفاعلة فيها، بعيدا عن الاحتكار الغربي. حيث كان الغرب هو الجهة الاعلى في رسم ملامح كل العلوم حتى لو كان للحضارات الاخرى سهم فيها.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة