الإثنين , أغسطس 31 2026
?>
الرئيسية / اراء وتحليلات / بلد نفطي وشعب عطشان

بلد نفطي وشعب عطشان

د. سعدي الابراهيم

يقال إن العراق جزيرة تطفو على بحر من النفط، لكن الواقع في شوارعنا يروي حكاية أخرى تماماً. ينطبق علينا اليوم ذلكم المثل القديم الذي يصف الجمل بأنه يحمل على ظهره الماء بينما يقتله العطش. هذه ليست مجرد استعارة بلاغية، بل هي الحقيقة المرة التي يعيشها المواطن كل يوم، وتتجلى بأبشع صورها في أزمة البنزين في الموصل، والتي باتت تبدو وكأنها معضلة أزلية ليس لها حل.في الموصل، تستيقظ المدينة كل صباح على مشاهد تصيب بالذهول؛ طوابير سيارات أطول من القطار، تلتف مثل الأفعى حول محطات الوقود. تقف مئات المركبات لعدة ساعات تحت شمس الصيف الحارقة أو برودة الشتاء القارسة، ينتظر أصحابها بفارغ الصبر للوصول إلى المضخة، وكأنهم يركضون وراء سراب. والمؤسف أن الكثير من هذه “الأفاعي” الحديدية تنتهي بها الساعات الطويلة دون أن تشرب قطرة واحدة، بعد أن يُعلن أصحاب المحطات نفاذ الكمية.

المشكلة الحقيقية لا تكمن في شح الموارد؛ فخيراتنا كثيرة وتفيض عن الحاجة، لكن الأزمة تكمن في أنها لا تُوزع بشكل صحيح. إن سوء التخطيط وتخبط الإدارة وغياب العدالة في توزيع الحصص يجعل مدينة بحجم الموصل تعاني الأمرين لتوفير أبسط مقومات الحياة اليومية.

ليس مطلوباً من الشارع أن يفهم معقدات السياسات النفطية أو التوازنات الاقتصادية؛ كل ما يحتاجه سائق التاكسي والموظف والأب هو حقهم البسيط في ملء خزان السيارة دون هدر نصف اليوم في انتظار مضني. إن استمرار هذه الأزمة في بلد يُعد من أكبر مصدري النفط في العالم هو مفارقة مؤلمة، تجعلنا نتساءل بصوت عالٍ: إلى متى سيبقى ابن هذا البلد عطشاناً وهو يجلس فوق منبع الماء؟

اترك تعليقاً

?>