د. سعدي الابراهيم
كشفت التوترات المتصاعدة في مضيق هرمز عن واقعٍ اقتصادي وسياسي يزداد تعقيداً؛ فالعراق لا يعاني مجرد أزمة مالية عابرة أو خضّة سوقية مؤقتة، بل يواجه تحدياً بنيوياً أعمق فرضته عليه أحكام الجغرافيا وتحديات الموقع. إن بلداً يرتكز على خزين هائل من الثروة النفطية ويُعد من كبار المنتجين عالمياً، يجد نفسه في لحظات الأزمات الحادة مشلول الحركة أمام منافذ تصديرية ضيقة ومحدودة، وكأن جغرافية العراق المائية قد تحولت مع مرور الوقت إلى سجنٍ جيوستراتيجي يقيّد تطلعاته الاقتصادية ويجعله رهيناً لما تسفر عنه الحسابات الإقليمية.
إن السؤال الجوهري والمصيري الذي يفرض نفسه اليوم على طاولة القرار: إلى متى يظل الاقتصاد العراقي مرهوناً بإرادات خارجية، وتقلبات أمنية، وظروف سياسية لا يد له فيها؟ إن ربط شريان الحياة المالي للدولة بممر مائي واحد يعني أن أي شرارة توتر في المنطقة ستترجم فوراً إلى أزمة معيشية تمس قوت المواطن العراقي واستقرار موازنته الاتحادية.
إن الخروج من هذه الشرنقة يتطلب إعادة رسم الخارطة الاقتصادية للبلاد، عبر إيجاد منافذ تصديرية متعددة وواعدة، وافتتاح خطوط أنابيب جديدة، وتطوير الموانئ والبنى التحتية، فضلاً عن تحول حقيقي نحو تنويع مصادر الدخل وتقليل الارتباط المطلق بالنفط الخام.
ولعل الجانب الأكثر إشراقاً يكمن في الإدراك الحكومي الواعي والجدية الملحوظة لدى القيادة السياسية بأهمية التحرك العاجل للتغلب على هذا التحدي التاريخي، والعمل على تحويل الموقع الجغرافي للعراق من نقطة ضغط وقلق دائم إلى ركيزة قوة وازدهار تنموي استراتيجي.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة